دمُ السويداء لا يُصرَف في صناديق تل أبيب

دمُ السويداء لا يُصرَف في صناديق تل أبيب

ايكون نيوز

مقال رأي

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز

لم يكتفِ وئام وهاب بالدعوة إلى المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية. في المقطع المتداول، عدّد بلدات في فلسطين والجولان المحتلّ، واستحلف أهلها برموزهم الدينية، وطلب أكثر من ثمانين ألف صوت، ثم قال إنّ من لا ينتخب كأنّه يقتل امرأةً أو طفلاً أو شيخاً في السويداء، وأنّ من ينتخب يحميهم.

الدقائق الستّ عشرة من المقطع لا تحتمل تأويلاً كثيراً. هذا ليس موقفاً سياسياً، ولا اجتهاداً يمكن الردّ عليه بالاجتهاد. هذه مزايدةٌ بالدم: بطاقةُ اقتراع تُشرى بها دماء ناس، ومَن يقف في الطابور الآخر يُحمَّل قتلاهم.

والانتخابات الإسرائيلية تجرى في السابع والعشرين من هذا الشهر، لأول مرة منذ عقود في موعدها القانوني، وقد أقرّ نتنياهو نفسه في جلسة مغلقة بأنّ النتيجة قد تُحسم ببضع بطاقات. فما بالُك بثمانين ألفاً يُلقيها في السوق مَن بنى رصيدَه السياسي كله على خطّ المقاومة؟

حسابٌ لا يجرؤون على إعلان أرقامه

لنُجرِ الحساب كما يريده، ولْنَسأل بأرقامه هو: كم صوتاً يوازي دم طفل في السويداء؟ وكم صوتاً يُبرِّئ ذمّة امرئ من دم شيخ؟ ومَن يدير هذا الدفتر: مَن يتولّى المرافعة عن الأحياء، أم مَن يوزِّع شهداءه على حملات الدعاية؟

ثمّ لنسأل السؤال الثاني، الذي لا يُسأل: دم السيد حسن نصرالله أين يقع في هذا الدفتر؟ الرجل الذي قال إنه معه حيث كان، وإنه جنديّ في خطّ المقاومة مهما كان قرارها، ذلك الخطّ الذي لم تُستدرج إسرائيل إلى معركته الأخيرة إلا حين قرّرت تصفيته؛ نتنياهو يروي أنه اتّصل بوزير دفاعه ورئيس أركانه وهو على متن الطائرة إلى نيويورك وأبلغهما بأنّه يجب تصفية الرجل، ثمّ أعلن التنفيذ وقال: اغتلنا نصرالله وخليفته.

فكيف يصير قاتلُ السيد مرشَّحاً يُدعَى إلى تصويته بالاسم المبطَّن والرمز المُستحلَف به؟ وإن لم يكن هو، فمن هو هذا الحامي الذي يجب أن تُعطى أصوات دروز فلسطين والجولان له، ولماذا يمتنع عن تسميته إذا كان شريفاً في نظره؟

هناك تفصيل لا يُحرج أحداً: الولايات المتحدة كانت قد فرضت على وهاب عقوبات مالية ضمن حزمة شخصيات تتّهمها واشنطن بزعزعة الاستقرار في المنطقة. هذا هو التصنيف الرسمي الغربي له. لكنّ الأسبوع الذي سبق الاقتراع في إسرائيل يجعله مطلوباً في تل أبيب، ومرغوباً في صوتِه، ومتلقَّفاً في إعلامها. فإذا كان هناك مَن لا يجرؤ على تسمية أعدائه، فهناك على الأقلّ مَن يعرف جيّداً مَن يتودّدون إليه حين يحتاج أصواتاً.

أما وقد سمّاه إعلامهم، فالحدّ الأدنى المطلوب منه الآن توضيحٌ لا مواربة فيه: لمن يطلب الأصوات تحديداً، وما الذي تغيّر في موقعه حتى صار مرشّح اليمين في عين الإعلام الإسرائيلي حاميَ السويداء.

طفلا السويداء وطفلا غزة وجهان لقاتل واحد

لا نزايد على جرح السويداء. ما جرى في تموز 2025 كان دماً درزياً سُفِكَ على أرض سورية، وتلقّفته إسرائيل بالضرب على مواقع الجيش السوري زاعمةً أنها تحمي الدروز، وبنشر رايتها حيث لم تكن راياتٌ من هذا النوع تُرفَع. أهل السويداء يستحقّون الأمن والعدالة ومحاسبة كل مَن اعتدى عليهم، ومأساتهم لا تحتاج إلى إنكار ولا إلى مزايدة.

لكنّ الدم لا يُقسَّم إلى فئتين: دم يُستحَلَف به على الناس، ودم يُسقَط من الحساب حين يُقيَّم موقعُ مَن يسمّي نفسه حامياً. أوردت اليونيسف أنّ عدد الأطفال الذين أُبلِغ عن استشهادهم في غزة بلغ ما لا يقلّ عن 21,289 طفلاً حتى شباط 2026، وقالت إن أكثر من 64 ألف طفل قُتلوا أو أُصيبوا منذ بدء الحرب. وحين جاءت الهدنة، توقّف الموت ولم يتوقف القتل: ثلاثمئة طفل قُتلوا في الأيام الـ297 التي تلت وقف إطلاق النار، بحسب ما أوردته المنظمة نفسها.

من رفع صوت طفل السويداء إلى مرتبة الواجب الأخلاقي، عليه أن يحتمل صوت طفل غزة، وأن يُسأل عن قاتله، وأن يشرح كيف يمكن ليد أن تمسح دموع يتيم في جبل العرب وهي تضع بطاقتها في صندوق هذا القاتل.

من أين جاء الرصيد، وكيف يُصرَف

هذا هو مكمن الجرح في المسألة كلها. الرجل لم يأتِ من فراغ، ولم يكن في يومٍ خصماً لخطّ المقاومة حتى يقال إنه غيّر رأيه برياحه. على مدى عقدين كان يقول إنه في ركابها، وفي موقع الدفاع عن خياراتها، يملك من رصيدها الرمزي أكثر مما يملك برنامجه، ويحميه سقفها أكثر مما تحميه تنظيمه. ولمّا جاء امتحان الثمن، سحب ودائعَ ذلك الرصيد كلها ورمى بها في مزادٍ انتخابي إسرائيلي، قبل أسبوعين من اقتراعٍ يراه نتنياهو على محكّ بضع بطاقات.

من حقّه أن يراجع تحالفاته، لكن من حقّ الناس أن يسمعوا شرحاً، لا أن يُطلَب منهم تصفيقٌ على قرارٍ لم يُسمَّ صاحبه. ولا تكفي عبارة «حماية أهلنا» لإقفال النقاش: فكلّ مشروع يطلب ولاءً يرفع راية الحماية، والامتحان ليس في الراية، بل في مَن يُستثنى من حقّ الحياة في حساب صاحبها.

ولْنقُلها بلا مجاملة: مَن أفاد من المقاومة في صعوده، لا يُعقَل أن يُفاجَأ اليوم بهذا السعر. فالمقاومة ليست حساباً جارياً يُسحَب منه عند الحاجة، ولا ضريبة حماية تُدفَع لمَن ثمّ يشتري بها اصطفافاً في دولة العدو.

المقدّسات ليست توقيعاً على ورقة اقتراع

استدعاء الرموز الدينية لإسناد موقف انتخابي لا يمنحه حصانة. المقدّسات ليست ختماً يُوضَع على اجتهاد سياسي، ووجعُ السويداء ليس تفويضاً مفتوحاً لأحد يتصرّف به حيث شاء. والأهمّ: الموحّدون الدروز ليسوا جيباً انتخابياً لأحد، ولا في لبنان ولا في فلسطين ولا في الجولان، ولا يُحمَّلون مسؤولية خيارات وهاب ولا خطابه. وهم أهل موقفٍ في تاريخ هذه المنطقة، وأكرم من أن يُختزلوا في مقطعٍ ستّ عشرة دقيقة، تُقسَّم فيه الدماء على المرشّحين.

وهذه ليست حالة اسمها وئام وهاب، بل مهنةٌ لها سوقها

ولْنقُلها مرة واحدة، بلا لفّ ولا دوران، لأنها النقطة التي تُفسِّر ما عدَاها: كلّ سياسي درزي يطمح إلى الزعامة يركب الموجة، يبيع ويشتري، ليحجز مقعداً هو أبعد ما يكون عنه في واقعه الشعبي.

لم تكن الزعامة الدرزية في يومٍ عقداً بين زعيم وناسه، بل ملكيةً تُتناقَل: بيتٌ يتوارثها، وبيتٌ يزاحمه، وحين تضيق الساحة بصاحبَيها خرج ثالثٌ يعلن أنه يمثل «الخطّ» لا البيوت. وعلى هذا المنوال تدور الرحى: موالٍ لهذا المحور أو ذاك، رافعٌ لشعار العروبة تارةً وشعار الطائفة تارةً أخرى، لا لأنّ قناعته تقلّبت، بل لأنّ المخزن الذي يبيع فيه بضاعته تقلّب.

والمفارقة أن الطوائف الأخرى خرجت من الزعامة الوراثية بعد حربٍ وأفولِ رجال دولة، فيما بقيت عندنا سوقاً مفتوحة على رأسها بضاعةٌ واحدة: زعيمٌ على جماعةٍ صغيرة، وجماعةٌ على مقاس مشروعٍ أكبر منها بكثير. وحيث ضاق الحقل وسُدَّت فيه طرق الصعود، صار الخارج هو السلَّم: محورٌ إقليمي يفتح باباً، أو راعٍ دولي يمنح فيتو أو يرفعه، أو ولاءٌ يُعلَن فيتلَقّاه مَن يحتاج أصواتا. وعلى هذا الأساس تحديداً صار «الحليف الصغير» شريكاً مطلوباً في كل موسم: يُستخدَم صوتُه في بيروت، ثم يُستخدَم صوتُ قومه في تل أبيب.

وأما تمثيلُه النيابي والوزاري فليس ثمرة مشروعٍ جماهيري، بل حِصّةٌ في تحالفٍ أوسع؛ ومن هنا تُفهَم هذه الخفة في التصريف: ما لم يُبنَ بجهد الناس يَسهُل بيعُه بلا إحساس بالفقر.

وكانت موجة السويداء هديةَ الموسم: وجعٌ حقيقي، ومطلبٌ محقّ، وحامٍ يتقدَّم الصفّ، ثم يصبّ كلُّ ذلك في مطالَبة انتخابية قبل أسبوعين من اقتراعٍ إسرائيلي. لا يبيع السياسي في هذه السوق مما يملك، بل يعرض ما لا يملكه أصلاً: دماءَ الناس وخوفَهم ووجعَهم.

والأخطر من هذا كله أنّ الخوف، إذا رُبط بهذه الطريقة بصندوق اقتراع، توقّف عن أن يكون إحساساً طبيعيّاً بالناس وصار أداة ضغطٍ عليهم. يصبح السياسي هو صاحب المعيار، والمواطن مطالباً بأن يُثبِت وفاءه للضحايا عبر الخيار الذي يلمّح إليه مَن لا يدفع كلفة الضحايا.

الكلمة الأخيرة

يا وئام وهاب: لك أن تُبرِّر موقفك السياسي كما تشاء، وأن تُسمّي خصومك كما تشاء، لكن لا تضع دم طفل في رقبة مَن لا يقتنع بك. ولا تجعل نجاة طفلٍ في السويداء ثمنَ صمتٍ عن طفلٍ قُتل في غزة، ولا رصيدَ وِدٍّ يُصفَّى في مزادٍ انتخابي لدولةٍ احتلّت أرضاً واغتالت سيداً ودمّرت بلداً.

ذاكرةُ الشهداء أثقل من أن تعبر فوقها مناشدةُ انتخاب، وادّعاءُ الحماية لا يمحو سجلَّ القتل. أمّا السويداء، فأهلها أحقّ بدمهم من أن يُصرَف في غير مكانه: يطلبون الأمان، لا أن يكونوا ورقةً في يدِ مَن يحميهم بالكلام ويُسلِّمهم بالصندوق.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي