لبنان ليس قاعة انتظار… والسيادة تبدأ من حماية أهلهم

لبنان ليس قاعة انتظار… والسيادة تبدأ من حماية أهلهم

 

افتتاحية ICON NEWS

 السيادة قبل البيان

السيادة ليست عبارة تُعلَّق على جدران القصور، ولا فقرة تُستهلك في بيانات الوزراء. السيادة قرارٌ يُتَّخذ كل صباح: أن يكون هذا الوطن وطناً لا ساحة، ومواطناً لا ضحية مؤجَّلة، وبلداً يُحاسَب المعتدي على عدوانه لا البلدَ الذي يتلقّاه. ومقياسها بسيطٌ قاطع: بيوت الجنوب. فإن كانت عامرةً آمنة فالسيادة قائمة، وإن كانت تُهدَم كل ليلة فكل ما يُقال بعدها تجميلٌ للواقع.

ومن لا يملك قرار حماية أهله لا يملك تفويضاً يتصرّف به باسمهم. فأساس العقد بين الدولة ومواطنيها هو هذه الحماية، ومن يعجز عن وفائها أو يُجار عليها، فقد خسر الشطر الأكبر من شرعيته، مهما علت العبارات وتوالت اللقاءات.

وبناءً عليه، لا حرج على لبنان أن يرفع سقفه، بل الحرج كل الحرج في خفضه. من حقه أن يقول لكفى، وأن يسأل الراعي عن الضمانات لا عن النوايا، وأن يُصرّ على عودة أهل الجنوب إلى قراهم قبل أن تُستنزف صبرهم في قاعة انتظار لا يُعرَف لها جدول. ومن قال إن رفع السقف مغامرة فليُجب: ألا تُعدّ المغامرة الحقيقية أن يُراهن على وقتٍ يستغلّه الاحتلال كل يوم؟

 الامتحان الذي لا يُجامل

في لقاءات الخميس، برزت أمام الحركة الدبلوماسية في بيروت مسألة لا يجوز أن تضيع بين عبارات الدعم: مَن يُلزم إسرائيل بتنفيذ تعهداتها؟ رئيس الجمهورية جوزاف عون أكّد أن الجيش يقوم بواجباته في المناطق التي انتشر فيها جنوب الليطاني، فيما تواصل إسرائيل الاعتداءات وتمتنع عن تنفيذ بنود اتفاق الإطار. وهذا، قبل أي سجال داخلي، هو الامتحان الذي ينبغي أن تُقاس عليه جدية الوساطات والضمانات: لا يُكافأ المعتدي على تعطيله، ولا يُكافَأ لبنان على صبره.

وفي لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، حضرت المطالبة بالتبادلية والمرحلية، والجدول الزمني الواضح، وآلية التحقق من تنفيذ الالتزامات. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فأعاد المشكلة إلى جوهرها: عدم التزام إسرائيل بالاتفاقات، محذراً من انتهاء ولاية اليونيفيل من دون بديل تحت المظلة الأممية.

والولاية تنتهي فعلاً في الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026 بموجب القرار 2790، بعد تمديد أخير بلا تجديد. فتحوّل التحذير من افتراض إلى موعد: إما أن يُجهَّز البديل قبله، وإما أن يُلقى الجنوب في فراغٍ يدفع وحده ثمنه، فيما تُستدرج الدول إلى ترفّعٍ عن المسؤولية باسم جدول انسحاب.

 من التشخيص إلى السياسة

هذه المواقف تشخيصٌ صحيح، والتشخيص وحده لا يحمي أحداً. المطلوب سياسة: موقف لبناني متماسك يحدد ما يطلبه، وكيف يتابع تنفيذه، وما الخطوة الدبلوماسية التالية إذا استمر التعطيل — وموقفٌ كهذا يُبنى أولاً في الداخل، لا أمام الزائر التالي. على بيروت أن تُخرج من كل لقاء بجدول عملٍ لا بعبارات طمأنة، وأن تتوقف عن إعادة تدوير الصبر اللبناني عملةً دبلوماسية.

ما قيمة التفاوض بلا نتائج؟

التفاوض وسيلة مشروعة لاستعادة الحقوق ووقف الدم. لكن نجاحه يُقاس بما يغيّره على الأرض: توقف القصف، وانسحاب الاحتلال، وعودة الأهالي بأمان. أما حين تتوالى الاجتماعات وتبقى البيوت عرضة للتدمير، فمن واجب الدولة أن تراجع أدواتها وأن تطالب الراعي بضمانات قابلة للتحقق. والسؤال عن النتائج حقٌّ للناس الذين يدفعون الثمن، لا مجاملة تُمنح أو تُسحب.

وفي هذا السياق، لم تعد الآليات القائمة تكفي. فآلية رقابةٍ تُحصي الاعتداءات ولا تملك منعها تُختزل شيئاً فشيئاً إلى مركز رصد، ومن يراقب من دون أن يُلزم فهو، عملياً، يؤمّن الغطاء لمن يخالف.

 التبادلية قاعدةً لا شعاراً

ولذلك، فإن التبادلية التي يطالب بها لبنان يجب أن تصبح قاعدة تنفيذ فعلية: كل التزام يقابله التزام محدَّد، ضمن مهلة معلنة وآلية تحقق واضحة. ولا يُقبل ترتيبٌ يُطلب فيه من لبنان ما يُطلب منه، وتُترك لإسرائيل حرية التقدير في ما عليها؛ فذلك ليس تسوية بل استسلامٌ مُقنَّعٌ بمهل. ولا يجوز أن يتحوّل الوقت مساحةً مفتوحة يراكم فيها الاحتلال وقائع جديدة، فيما يُطلب من اللبنانيين المزيد من الانتظار. الوقت هنا ليس محايداً: إنه وقود للاحتلال.

 الجيش: دعمٌ لا مزايدة

والحديث عن الدولة القوية يبدأ من قدرتها على حماية مواطنيها. دعم الجيش يعني تزويده بما يحتاج إليه، ومساندة انتشاره، وتحصين دوره في حفظ السلم الأهلي. كما يعني إعطاءه غطاءً سياسياً وطنياً واضحاً، يحمي المؤسسة من التجاذب ويمنع تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات. الجيش ملكٌ للبنان كله، لا ملك فريق ولا مادة للمزايدة، ومن يرد جيشه قوياً فليبدأ بالكفّ عن تجويعه أو تشكيكه أو تركه مكشوفاً في السياسة وهو ثابتٌ في الميدان.

 المقاومة: الصون لا الاختزال

وفي المقابل، فإن الدفاع عن المقاومة وتضحياتها يقتضي نقاشاً مسؤولاً في كيفية حماية لبنان، وتعزيز قدرته على الصمود، وتنظيم عناصر قوته ضمن استراتيجية وطنية دفاعية واحدة. الجنوب الذي حرّر بدم المناضلين، وأخرج الاحتلال من أكثر من نصف أرضه المحتلة عام 1982 قبل الانسحاب عام 2000، لا يُلغى بتسوية، ولا يُختزل في حساب آني، ولا يُستَغَلّ بالتباهي ولا يُهادَن عليه بالتفريط. التضحيات تستحق مراجعة جادة تحمي معناها وتستفيد من دروسها، لا مراجعة تُدار لإثبات ما قرِّر سلفاً. وحماية الجنوب مسؤولية وطنية مشتركة لا يحتكرها فريق، ولا يتنصّل منها أحد.

أوروبا على محك الجنوب

أما الدور الأوروبي، فسيكتسب قيمته من قدرته على المساهمة في وقف الاعتداءات، ودعم الجيش، وحماية المدنيين، وتوفير حضور دولي فعّال، والمساعدة في إعادة الإعمار. الأوروبيون يُختبَر صدقهم في الجنوب لا في بروكسل: فمن اكتفى بدعوات ضبط النفس بينما تُدمَّر بيوت على مرمى حجر من جنوده، شارك في إدارة الانهيار لا في منعه. واللبنانيون يحتاجون إلى معرفة ما الذي ستفعله أي ترتيبات مقبلة لحمايتهم، وما حدود مهمتها ومسؤولياتها، قبل الاطمئنان إلى اسمها.

 الجنوب ليس تفصيلاً

الجنوب ليس تفصيلاً في جدول الزيارات، وأهله ليسوا بنداً مؤجَّلاً إلى أن تنضج حسابات الآخرين. كل يوم انتظار له كلفة على عائلة وبيت وأرض ومصدر رزق، ومن حقّ هذه القرى أن تكون في أول البنود لا في آخرها: بلاطها ومدارسها ومستوصفاتها وكرمها، لا ذكراها في المناسبات.

 من هنا يبدأ الموقف الوطني

من هنا يبدأ الموقف الوطني: حماية الناس، واستعادة الأرض، وصون السلم الأهلي، ومساءلة كل وعد على أساس تنفيذه. لبنان الذي علّم هذه المنطقة معنى الصمود، وحرّر أرضه بدم أبنائه مرّتين، لا يُعامَل كملف إدارة أزمات ولا كحدودٍ مؤجَّلة التسوية، بل كوطنٍ كاملٍ له ما لغيره من الدول.

لا وطنَ يستحقّ هذا الاسم إن تُرِك أهله على التخوم ينتظرون إذناً بالعيش. فلتُرفَع السيادة من الشعار إلى القرار، ولتُقَس كل خطوة بميزانٍ واحد: هل تحمي الناس، وتُخرج المحتل، وتُعيد أهل الجنوب إلى بيوتهم؟ ذلك هو معيار الوطنية، ولا معيار سواه.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي