من هرمز إلى باب المندب... حرب الممرات تضع نفط الخليج والتجارة العالمية أمام اختبار مزدوج

من هرمز إلى باب المندب... حرب الممرات تضع نفط الخليج والتجارة العالمية أمام اختبار مزدوج

ايكون نيوز

لم تعد المواجهة المتصاعدة في المنطقة تُقاس فقط بعدد الصواريخ والمسيّرات أو باتساع رقعة الضربات. الأخطر أن الصراع بدأ يقترب بصورة متزامنة من شريانين بحريين يشكلان جزءاً أساسياً من منظومة الطاقة والتجارة العالمية: مضيق هرمز شرقاً وباب المندب غرباً.

 

ففي الوقت الذي تشهد فيه الملاحة داخل مضيق هرمز ومحيطه سلسلة متزايدة من الحوادث التي طالت ناقلات نفط، انتقلت المواجهة في اليمن مجدداً إلى الساحل الغربي والمناطق المحيطة بباب المندب، بالتوازي مع تصعيد عسكري بين حركة أنصار الله من جهة والسعودية والقوات اليمنية المدعومة منها من جهة أخرى.

 

وهنا تكمن خطورة المشهد: ما يحدث عند المضيقين ليس جبهتين منفصلتين تماماً، بل حلقتان في سلسلة واحدة من طرق تصدير النفط والبدائل التي أُنشئت لمواجهة اضطراب أي ممر بحري.

 

التصعيد وصل إلى الرياض

 

فجر الأربعاء 7 تشرين الأول، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه منطقة شمال الرياض، بعد أيام من هجمات استهدفت منشآت ومطارات سعودية. وكانت مطارا نجران وجازان قد تعرضا لهجمات أدت، وفق الرواية السعودية، إلى إصابة ثلاثة أشخاص، فيما أُعلن كذلك اعتراض صاروخ كان يستهدف خميس مشيط.

 

في المقابل، اتسعت العمليات العسكرية داخل اليمن، مع إطلاق الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المدعومة من الرياض عملية واسعة لاستعادة مناطق على الساحل الغربي وقرب باب المندب.

 

وتتركز المواجهات خصوصاً حول ذباب والمخا والمناطق المشرفة على الممر البحري. وبينما أعلنت القوات المدعومة من السعودية استعادة مواقع عدة، تبقى السيطرة الميدانية على بعض المناطق موضع تضارب بين أطراف الحرب، ما يجعل الحديث عن حسم كامل لمعركة باب المندب سابقاً لأوانه.

 

هرمز تحت النار

 

على الجبهة البحرية الشرقية، الصورة لا تقل خطورة.

 

هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية UKMTO وثّقت خلال الأيام الأولى من تشرين الأول سلسلة حوادث تعرضت فيها ناقلات لمقذوفات مجهولة أثناء عبورها مضيق هرمز أو المناطق القريبة منه.

 

وفي 4 تشرين الأول وحده، تلقت الهيئة تقارير عن إصابة ناقلة داخل المضيق أدت إلى أضرار في غرفة المحركات، إضافة إلى تقارير أخرى عن إصابة ناقلات نفط وغاز بمقذوفات مجهولة. كما سجلت حادثاً جنوب المخا في اليمن حيث أبلغت ناقلة عن انفجارات متعددة بالقرب منها. وفي معظم هذه الحوادث بقي أفراد الطواقم سالمين، فيما لا تزال الجهات المختصة تحقق في مصدر المقذوفات.

 

وهذه النقطة مهمة: لا تسمح المعطيات المتوافرة حتى الآن بنسب كل حادث بحري بصورة قاطعة إلى طرف معين، ولذلك فإن الخطر المؤكد ليس هوية المنفذ في كل واقعة، بل تراكم الحوادث في ممرات شديدة الحساسية.

 

عندما أصبح باب المندب بديلاً لهرمز

 

الأرقام تفسر لماذا تصبح المواجهة الحالية أكثر حساسية من جولات سابقة.

 

قبل الأزمة، كان مضيق هرمز يحمل كميات هائلة من النفط. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبره نحو 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2025.

 

لكن مع اضطرابات 2026 انخفضت التدفقات إلى نحو 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من العام.

 

وفي الاتجاه المعاكس تقريباً، ارتفعت تدفقات النفط عبر باب المندب من 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى نحو 8.1 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026.

 

أي أن جزءاً من حركة الطاقة التي حاولت الهرب من مخاطر هرمز أصبح أكثر اعتماداً على الطرق الغربية والبحر الأحمر.

 

وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية: إذا كان اضطراب هرمز يدفع المنتجين وشركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة، فإن تهديد باب المندب يضع بعض هذه البدائل نفسها تحت الضغط.

 

السعودية في قلب المعادلة

 

تملك السعودية ميزة مهمة هي خط أنابيب الشرق–الغرب الذي يسمح بنقل النفط من مناطق الإنتاج شرقي المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزاً هرمز.

 

لكن نقل كميات أكبر غرباً لا يلغي المخاطر، بل يغيّر جغرافيتها.

 

فميناء ينبع أصبح أكثر أهمية مع اضطرابات الخليج، وارتفعت صادرات الخام منه بقوة خلال أزمة هرمز. ومع انتقال الصراع اليمني نحو باب المندب والساحل الغربي، يصبح أمن البحر الأحمر عاملاً مباشراً في حسابات تصدير النفط ومسارات الناقلات، خصوصاً للشحنات المتجهة جنوباً نحو المحيط الهندي والأسواق الآسيوية.

 

الكلفة بدأت قبل إغلاق أي مضيق

 

ليس ضرورياً أن يُغلق هرمز أو باب المندب بالكامل حتى يدفع الاقتصاد العالمي الثمن.

 

يكفي أن ترتفع احتمالات الهجوم على السفن حتى ترتفع أقساط التأمين، وأجور الطواقم، وتكاليف استئجار الناقلات، ويضطر مالكو السفن إلى تغيير المسارات أو انتظار مواكبة أمنية.

 

وقد وصلت أجور بعض فئات ناقلات النفط في الأيام الأخيرة إلى مستويات تاريخية، إذ سجلت مؤشرات شحن ناقلات عملاقة أرقاماً تجاوزت في بعض المسارات مليون دولار يومياً، في انعكاس مباشر لنقص السفن المتاحة والمخاطر المحيطة بنقل نفط الشرق الأوسط.

 

وبذلك ينتقل أثر الحرب من الميدان إلى سعر البرميل ثم إلى النقل والتأمين، وبعدها إلى المنتجات والأسواق والمستهلك.

 

المعركة الحقيقية: من يتحكم بالبدائل؟

 

استراتيجياً، لا تبدو المسألة مجرد معركة للسيطرة على بضعة كيلومترات في الساحل اليمني.

 

باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه تتصل الملاحة بقناة السويس والبحر المتوسط شمالاً وبالمحيط الهندي جنوباً. وهرمز في المقابل هو البوابة الرئيسية لنفط وغاز الخليج.

 

وكلما ارتفع مستوى المخاطر في هرمز، ارتفعت القيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر. وكلما اقتربت المعركة من باب المندب، تراجعت فاعلية الطريق البديل.

 

لهذا يمكن قراءة الهجوم السعودي – اليمني المضاد قرب باب المندب باعتباره أكبر من مجرد استعادة أراضٍ: إنه محاولة لمنع تحول المضيق إلى ورقة ضغط دائمة في قلب منظومة الطاقة.

 

وفي المقابل، فإن قدرة أنصار الله على إبقاء جبهة الساحل مفتوحة واستخدام الصواريخ والمسيّرات ضد العمق السعودي تعني أن الرياض لا تواجه حرب حدود فحسب، بل معركة لحماية منشآت الطاقة والمطارات وخطوط التصدير في الوقت نفسه.

 

 

المنطقة لا تقف حتى الآن أمام إغلاق متزامن لهرمز وباب المندب، والقول بذلك سيكون مبالغة.

 

لكنها تقف أمام تطور أخطر مما توحي به الأخبار اليومية المنفصلة: تزامن ارتفاع المخاطر العسكرية في المضيق الذي يحمل نفط الخليج مع اشتعال المعركة حول الممر الذي أصبح واحداً من أهم طرق الالتفاف على أزمة الخليج.

 

إنها حرب على الجغرافيا بقدر ما هي حرب بالصواريخ.

 

ومن يراقب هرمز من دون باب المندب، أو اليمن من دون خطوط النفط السعودية، لن يرى الصورة كاملة.

 

فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح الطريق البديل معرضاً للنار في اللحظة نفسها التي يشتعل فيها الطريق الأصلي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي