ايكون نيوز
حكومة بلا ترف الوقت
ثمة لحظات في عمر الدول يتحول فيها التأجيل من خيار إلى جريمة، ويصير فيها الوقت رأسمالاً ينفد، لا مورداً يُصرف على مهل. ولبنان اليوم في إحدى هذه اللحظات. فمن يظن أن الحكومة تملك ترف الانتظار حتى تنجلي الغيوم في تامبا وطهران وتل أبيب، يقرأ الخريطة بعين من لا يرى أن الساعة تدور ضده في كل يوم.
لنعدّ المواعيد التي لا تنتظر أحداً. جولة مفاوضات عسكرية مع إسرائيل يُرجَّح أن تُعقد بين العشرين والثاني والعشرين من هذا الشهر في فلوريدا، وانتخابات إسرائيلية في السابع والعشرين منه تتحكم بإيقاع التصعيد والتفاوض معاً، ونهاية ولاية اليونيفيل بصيغتها الحالية في الحادي والثلاثين من كانون الأول بموجب القرار 2790. ثلاثة استحقاقات في أقل من ثلاثة أشهر، وكل منها كفيل بإعادة رسم واقع الجنوب. فأي حكومة تدخل هذا الممر الضيق دون خطة مكتملة وموقف موحد ومهل زمنية معلنة، إنما تدخله معصوبة العينين.
والجنوب لا يمهل أحداً. الغارات متواصلة، والنبطية ومحيطها تحت النار، وجنود الجيش اللبناني يُصابون في آلياتهم، وأهل القرى يسألون كل صباح عن بيوتهم لا عن بيانات التطمين. وفي المقابل تتحدث المعلومات عن أن الجولة الأميركية المرتقبة عسكرية الطابع، وأن الأفق السياسي غائب، وأن تل أبيب لن تقدم شيئاً جدياً قبل صناديقها. أي أن الطرف المقابل يشتري الوقت عن سابق تصور، والحكومة التي لا تدرك أن الوقت هو سلاح خصمها تمنحه ما يريد مجاناً.
ثم هناك الأمر الأشد استفزازاً: الاعتكاف. وزير الطاقة يغيب عن جلسات مجلس الوزراء احتجاجاً على كلفة الكهرباء، والملف أمام الحكومة اليوم بين العودة والاستقالة. ولا جدال في أن أزمة الكهرباء حقيقية وأن مطالب المعالجة محقة، لكن للاحتجاج أصولاً، ومكانه الجلسة والقرار لا الشاغر والبيان. فالحكومة التي تُدار فيها الخلافات بالغياب لا تستطيع أن تقنع أحداً بأنها قادرة على التفاوض مع دولة. ومن لا يحسم خلافه على الفيول داخل مجلسه، كيف يُنتظر منه أن يحسم خلافاً على الحدود والسلاح والانسحاب؟ إن ما يجري يضعف الموقف التفاوضي قبل أن يبدأ التفاوض، وكل يوم من هذا التعثر هدية مقدمة لمن يراقب من الخارج بحثاً عن ثغرة.
وليس هذا وقت المجاملات. فاليونيفيل راحلة بقرار دولي، وقد وقّع ستة وثمانون نائباً مذكرة تحذر من فراغ أمني بعد رحيلها. هذا إجماع نيابي نادر، فماذا فعلت الحكومة به؟ أين الحراك الدبلوماسي في نيويورك وعواصم القرار؟ وأين البدائل المعلنة لحماية الجنوب إن لم يُعدَّل القرار؟ المذكرات لا تحمي حدوداً، والفراغ الأمني لا ينتظر اكتمال الدراسات القانونية. وإذا كانت الدولة ترفع شعار بسط سلطتها على أراضيها، فالسلطة تُقاس بالجاهزية لا بالشعارات، وبجيش مجهز ومموّل وبخطة زمنية واضحة، لا بوعود تتجدد مع كل مناسبة.
وفي الإقليم لا يتوقف العالم لانتظار بيروت. باب المندب يشتعل، وهرمز لا يزال معلقاً بين التفاوض والتهديد، والعواصم الكبرى تعيد حساب مصالحها على وقع الطاقة والممرات. والدول التي لا تحجز مقعدها مبكراً تجد نفسها على قائمة الطعام لا على الطاولة. وبلد يعاني ما يعانيه لبنان من انهيار مالي وكهربائي وأمني لا يملك ترف أن يكون متفرجاً على هذه التحولات.
لذلك فالمطلوب من الحكومة اليوم واضح، ولا يحتمل مزيداً من المناورة. موقف تفاوضي موحد يُقرّ في مجلس الوزراء قبل جولة تامبا، لا بعدها. ربط أي خطوة لبنانية بخطوة إسرائيلية مقابلة وبجدول زمني معلن. ملف اليونيفيل على طاولة التحرك الدبلوماسي من الآن، لا في الأسبوع الأخير من كانون الأول. وقرار حاسم في ملف الكهرباء يُنهي الاعتكاف ويعيد الانتظام إلى مجلس الوزراء، إما بالعودة وإما بالاستقالة، فالمرحلة لا تحتمل وزراء خارج الجلسة.
إن الحكومات تُحاسب على ما فعلته في اللحظة الحرجة، لا على ما كانت تنوي فعله. والتاريخ لا يدوّن أعذار المتأخرين، بل يسجل قراراتهم أو غيابها. فليتذكر من يتولى المسؤولية أن لبنان لم يعد يملك فائضاً من الوقت ليتعلم على حسابه، وأن الساعة، كما في كل أزمة كبرى، ليست على الجانب اللبناني. فإما أن تتحرك الحكومة الآن، وإما أن تتحرك الأحداث بدلاً منها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :