اختناق السجون في لبنان: 66% من المسجونين من دون محاكمات

اختناق السجون في لبنان: 66% من المسجونين من دون محاكمات

عود على بدء في أزمة اكتظاظ السجون في لبنان، فقانون العفو العام الذي راهن عليه الموقوفون والمحكومون من المسجونين لإطلاق سراحهم أسقطه طعن نيابي في المجلس الدستوري، ما يعيد إلى المشهد أزمة الاكتظاظ، المترافقة مع أزمة تراجع الخدمات الطبية وأزمة بطء سير المحاكمات، والتي حوّلت نسبة 66% من المسجونين إلى موقوفين بانتظار المحاكمة.

اكتظاظ يتجاوز قدرة السجن
لا خلاف بين المصادر التي تتابع واقع السجون على أن الاكتظاظ يمثل المشكلة الأساسية. هنا، تقدر مديرية السجون في وزارة العدل نسبة الاكتظاظ بنحو 300%، فيما يناهز العدد الإجمالي للسجناء 9 آلاف، موزعين بين السجون ونظارات قصور العدل والمخافر، إضافة إلى الموقوفين لدى الجيش والأمن العام.
وفي رومية، تتحدث مصادر متابعة للسجون عن قدرة استيعابية للسجن المركزي تقارب 1500 سجين، ولكن بين جدرانه يقيم حوالي 3 آلاف سجين، ما يجعل الشهادات الآتية من داخل السجن تصف واقعاً قاسياً. مثلاً، في الغرف التي صُممت لثلاثة أشخاص تضمّ سبعة، مع فرش وأمتعة تملأ المساحات المتاحة، فيما لا تتجاوز المساحة التي يحصل عليها السجين في بعض الأقسام مترين مربعين، بحسب مصدر طبي.
تقرّ أوساط وزارة الداخلية بأن الاكتظاظ «حالة السجون»، وتشير إلى أن العمل يجري ضمن الإمكانات المتاحة. أما انعكاسات الاكتظاظ الصحية، فتظهر بصورة خاصة في الأمراض الجلدية، يقول أطباء من داخل رومية، ولا سيما مع عدم امتلاك نسبة كبيرة من السجناء ملابس بديلة. ويقدّر الأطباء أن نسبة 60% إلى 70% من المساجين لا يملكون ملابس أخرى، ما يزيد صعوبة الحفاظ على شروط النظافة داخل غرف مكتظة.
الطبابة
هي النقطة الأكثر إثارة للجدل بين الروايات. فالسجناء يتحدثون عن تأخير في الوصول إلى الطبيب والمستشفى، وعن حالات لم تحصل على العلاج في الوقت المناسب، فيما تؤكد أوساط وزارة الداخلية وأطباء من داخل السجن أن الرعاية متوافرة على مدار الساعة، وأن كل سجين يملك ملفاً طبياً، والحالات الطارئة تُنقل إلى المستشفى وفقاً للحاجة.
ويتكلم الأطباء العاملون داخل السجن عن وجود طبيب وممرض في مباني السجون لمتابعة الحالات الصحية، مع استمرار التواصل مع المستشفيات. وفي الفترة التي أُجريت فيها المقابلة، كان 31 سجيناً يتلقون العلاج في المستشفيات، فيما تجاوز عدد السجناء الذين أُدخلوا إلى المستشفيات 700 سجين عام 2026، يقول الأطباء، لإجراء عمليات وفحوص وعلاجات مختلفة. وتشمل هذه العمليات حالات معقدة، بينها عمليات قلب مفتوح. ويؤكّد الأطباء أنّ «خمسة سجناء خضعوا العام الماضي لعمليات قلب مفتوح، فيما توفي أحد المرضى بعد رفضه الخضوع للعملية رغم إبلاغه وأهله والنيابة العامة بخطورة وضعه، وفق روايتهم».
وفي حالة أخرى، يورد طبيب مثالاً عن السجين نعيم الحاج، الذي كان يعاني فشلاً كلوياً ويخضع لغسيل الكلى 3 مرات أسبوعياً، وخضع لعملية قلب مفتوح، قبل أن تتدهور حالته خلال الأشهر الأخيرة، فيمضي أياماً في العناية الفائقة وأياماً في السجن، ثم يتوفى في المستشفى. كما يشير إلى سجين آخر كان يعاني سرطان البنكرياس، وتوفي بعد تلقي العلاج في المستشفى لوقت طويل، «ربما لو كان حراً طليقاً لما استطاع العلاج أصلاً»، يقول الطبيب، في إشارة إلى توافر العناية الطبية في السجن.
هذه الحالات لا تحسم وحدها مسؤولية الطبابة عن الوفيات، وهو ما تؤكده الأوساط الأمنية في وزارة الداخلية، ولكنها تكشف في المقابل حجم التعقيدات الصحية التي تواجهها السجون، وخصوصاً مع الاكتظاظ والأمراض المزمنة، إذ تؤكد أن الدولة تتحمل كلفة العلاج في الحالات التي تدخل ضمن مسؤوليتها، فيما تساهم الجمعيات في تأمين الأدوية والعلاجات، ولا سيما تلك المرتفعة الكلفة. وفي الحالات التي تتعذر فيها التغطية الرسمية، قد يساهم أهل السجين في تأمين العلاج.
رواية السجناء
ما سبق يمثل الرواية الرسمية، أما المسجونون، فيروون وقائع مختلفة. أحدهم يقول إن المريض قد ينتظر حتى تتدهور حالته قبل نقله إلى المستشفى، ويورد حالات وفاة يربطها بتأخر العلاج، بينها حالة موفق ظافر أبو زاهر، الذي كان يعاني مرضاً في الكبد، وأيمن شقير الذي تدهورت حالته بعد عملية ربط معدة. كما يتحدث عن سجين مصاب بالسكري فقد وعيه داخل السجن، قبل أن يُنقل إلى المستشفى في حالة حرجة، «رأيته وهو ينازع ولم يصدقوه»، يقول السجين.
في المقابل، أوساط وزارة الداخلية تنفي تعميم هذه الروايات، وتؤكد أن كل وفاة تُفتح بشأنها محاضر وتحقيقات، وأن عدداً من الحالات كانت مرتبطة بأمراض خطيرة أو مزمنة. كما تشير إلى أن بعض السجناء يرفضون تناول أدويتهم أو الخضوع للعلاج، وهو ما يفرض قيوداً قانونية على قدرة الطاقم الطبي على التدخل.
66% موقوفين من دون أحكام
بحسب مديرية السجون في وزارة العدل، تبلغ نسبة الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام نحو 66% من إجمالي عدد السجناء، مقابل 34% من المحكومين. وتنفي أوساط وزارة العدل وجود موقوفين يمضون سنوات من دون أي محاكمة، موضحة أن بعض الجلسات يتعذر عقدها لأسباب تتصل بعدم حضور الموقوف أو بالأوضاع اللوجستية. وتشير إلى أن الأزمة الاقتصادية حالت دون تأمين نقل الموقوفين إلى جميع المراجع العدلية، خصوصاً في صيدا والبقاع وبعلبك وطرابلس، ما دفع إلى اعتماد المحاكمات عبر الفيديو في بعض الحالات.
ولكن شهادات السجناء تتحدث عن موقوفين تجاوزت مدة توقيفهم السنوات، وعن ملفات بقيت معلقة لفترات طويلة، ويقول أحدهم: «نحنا ما بدنا عفو عام، بدنا بس يحاكمونا». وتشير مصادر متابعة إلى أن بعض الموقوفين، ولا سيما في ملفات الإسلاميين، يمتنعون عن حضور جلسات محاكمتهم لأسباب تتعلق بعدم ثقتهم بالأحكام، أو بانتظار العفو العام.
العفو العام وحده لا يكفي
في خضم هذا الواقع، تحوّل العفو العام إلى عنوان للاحتجاج داخل السجون، بعد تعليق العمل بالقانون الرقم 70/2026 إثر الطعن فيه أمام المجلس الدستوري. لكن أوساط مديرية السجون ترى أن العفو، حتى لو أدى إلى خروج أعداد من السجناء، لن يحل أزمة الاكتظاظ على المدى الطويل، لأن الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع أعداد الموقوفين ستبقى قائمة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي