"كشكول الجمسي".. سر "ساعة الصفر" المصرية في حرب أكتوبر
رغم مرور 53 عاماً على حرب أكتوبر، لا يزال توقيت انطلاقها، وتحديداً الساعة الثانية وخمس دقائق ظهراً، يثير اهتمام الباحثين والمؤرخين، باعتباره واحداً من أبرز تفاصيل التخطيط للمعركة.
فلم يكن اختيار "ساعة الصفر" قراراً زمنياً عابراً، وإنما جاء حصيلة حسابات عسكرية وفلكية وجغرافية وميدانية دقيقة، استهدفت تحقيق أكبر قدر ممكن من المفاجأة وتوفير الظروف الملائمة لعملية العبور.
مصر رحيل "أيقونة العبور".. صاحب أشهر صورة في "حرب أكتوبر"
فقد انطلقت الضربة الجوية المصرية، وتبعها عبور القناة واقتحام خط بارليف، في توقيت أربك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وغير العقائد العسكرية المعتادة، ليشكل المظهر الأول للمفاجأة الاستراتيجية.
"كشكول الجمسي"
هذا وترتبط كواليس اختيار هذا التوقيت باسم المشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة آنذاك، الذي أعد دراسة تاريخية بتكليف من القيادة العامة.
وتوثق الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ارتباط الجمسي بإعداد خطة العبور فيما عُرف باسم "كشكول الجمسي"، كما تتيح وزارة الدفاع المصرية ضمن وثائق حرب أكتوبر مذكرات المشير الجمسي بخط يده.
إذ كُتبت هذه الدراسة بخط اليد في كراسة مكتبية عُرضت على الرئيس المصري الراحل أنور السادات، فأطلق عليها تحبباً اسم "كشكول الجمسي"، لتتضمن الوثيقة ليس فقط مقترحاً لموعد الهجوم، بل دراسة علمية شاملة، تضمنت رصداً دقيقاً لشهور سنة 1973 وأيامها وساعاتها.
المشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة في حرب أكتوبر
كما شملت الدراسة حركة المد والجزر وسرعة التيار، من خلال دراسة ساعات انخفاض سرعة التيار المائي في قناة السويس إلى أدنى معدلاتها، لتسهيل عبور قوارب المشاة المطاطية وبناء الكباري المائية. وتؤكد الهيئة العامة للاستعلامات أن اختيار توقيت الهجوم راعى بالفعل حالة المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه، إلى جانب عوامل أخرى تتعلق بالظروف الميدانية والجوية.
كذلك تناولت حالة القمر والإضاءة، إذ جرى اختيار أيام يكون فيها القمر ساطعاً في نصفه الأول، لتوفير إضاءة طبيعية تساعد المهندسين العسكريين على فتح الثغرات بالماء وإقامة الكباري ليلاً، قبل أن يغيب القمر في النصف الثاني ليحل الظلام حماية للكباري من غارات الطيران الإسرائيلي.
وقد امتدت الحسابات إلى الأعياد والعطلات الإسرائيلية، حيث استقر الاختيار على يوم "عيد الغفران" (يوم كيبور)، وهو اليوم الذي تتوقف فيه وسائل الإعلام والنقل وشبكات الاتصالات المدنية في إسرائيل، مما أحدث إرباكاً في شبكة التعبئة العامة للجيش الإسرائيلي واستدعاء قوات الاحتياط، ومن هذا اليوم جاءت تسمية الحرب الإسرائيلية بـ "حرب يوم الغفران".
إلى ذلك، تقتضي التكتيكات العسكرية التقليدية أن تبدأ الهجمات الكبرى عادة مع "أول ضوء" (الفجر) أو "آخر ضوء" (الغروب)، في حين جاء التخطيط المصري السوري المشترك ليكسر هذا النمط ويتجاوز عقبة تعارض المصالح الميدانية بين الجبهتين.
فقد كانت الجبهة السورية تفضل الهجوم مع الفجر، ليكون الضوء في صالح قواتها المتقدمة غرباً نحو هضبة الجولان، بينما كانت الجبهة المصرية تفضل الهجوم عند الغروب، لتركيب الكباري الثقيلة تحت ستار الليل، بعيداً عن عين الطيران الإسرائيلي.
لذا جاءت الساعة 2:05 ظهراً كحل وسط حقق المصلحة المشتركة؛ إذ وفرت للقوات السورية الضوء الكافي للتقدم، ومنحت القوات المصرية نحو 3 ساعات من الضوء لإنجاز الضربة الجوية والتمهيد النيراني وعبور المشاة الأول، ليعقب ذلك هبوط الليل فوراً، مما أتاح لرجال المهندسين العسكريين الشروع في بناء الكباري وتثبيت رؤوس الكباري في ظلام يمنع الطيران الإسرائيلي من استهدافهم.
إلى جانب ذلك، لعب موضع الشمس دوراً حاسماً؛ ففي منتصف النهار، تبدأ الشمس بالميل نحو الغرب وإلقاء أشعتها، مما جعلها خلف ظهر القوات المصرية المتقدمة شرقاً، بينما كانت تسقط أشعتها المباشرة في أعين الإسرائيليين المتحصنين في نقاط خط بارليف على الضفة الشرقية، مما أعاق رؤيتهم المباشرة أثناء التصدي للموجات الأولى.
علماً أنه في الساعة 2:05 ظهراً، انطلقت أكثر من 200 طائرة مقاتلة مصرية على ارتفاع منخفض لضرب القواعد الجوية ومراكز القيادة ومحطات الرادار وتحصينات القوات الإسرائيلية في عمق سيناء.
وبعد دقائق، وتحديداً في الساعة 2:10 ظهراً، بدأ التمهيد النيراني بقصف مدفعي كاسح شارك فيه أكثر من 2000 مدفع على طول جبهة القناة، صب حممه على حصون خط بارليف.
لاحقاً عند الساعة 2:20 ظهراً، اندفعت الموجات الأولى من المشاة عبر القوارب المطاطية تحت غطاء المدفعية، ورفعت الأعلام المصرية، ثم بدأت مضخات المياه في العمل لفتح الثغرات في الساتر الترابي.
المشير أحمد إسماعيل- وزير الحربية المصري في حرب أكتوبر
هذا وتوثق بيانات القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية أن القوات المصرية اقتحمت قناة السويس تحت ستر قذف الطائرات والمدفعية، ونجحت في عبور القناة والاستيلاء على معظم الشاطئ الشرقي، ثم واصلت القتال لتدعيم مراكزها شرق القناة.
ومع حلول المساء، بدأ تركيب الكباري الثقيلة وتشغيل العبارات لتدفق الدبابات والمدرعات والمعدات الثقيلة، بما ساعد على تثبيت رؤوس الكباري شرق القناة.
هكذا لم تكن "الساعة الثانية ظهراً" تفصيلة زمنية عابرة، بل كانت النتيجة المباشرة لعملية تخطيط عسكري واستخباراتي معقدة، تحولت فيها الأرقام والحسابات الفلكية في "كشكول الجمسي" إلى نقطة انطلاق لواحدة من أعظم عمليات العبور والتغيير الاستراتيجي في التاريخ العسكري المعاصر.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي