كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
ليس الزفت ملكاً لنائب، ولا الطريق هدية من زعيم، ولا وزارة الأشغال مكتب خدمات انتخابية. تعبيد الطرق واجب على الدولة وحق للمواطنين، تموّله الخزينة العامة. لكن هذا الحق يتحوّل، في خطاب بعض النواب، إلى فضل شخصي يُطلب من الناس تسديده امتناناً، ثم أصواتاً عند أول انتخابات.
من حق النائب أن يتابع مطالب منطقته، وأن يضغط لتنفيذ المشاريع المتأخرة. هذا جزء من عمله. أما أن تتحوّل المتابعة إلى مصادرة للإنجاز، وأن تختفي الوزارة والمال العام والجهة المنفّذة خلف صورته، فهنا تبدأ الزبائنية: يدفع المواطن ثمن الطريق، ثم يُقال له إن النائب تكرّم عليه بتعبيدها.
هؤلاء هم «نواب الزفت»: يحضرون عند وصول الآليات، يسبقون العمال إلى الصورة، ويتعاملون مع كل متر إسفلت باعتباره إضافة إلى رصيدهم الانتخابي. يصير المشروع مشروعهم، والخدمة خدمتهم، والوزارة تفصيلاً في منشور الشكر. أما الناس، فبدلاً من أن يشعروا بأن دولتهم تؤدي واجبها، يُدفعون إلى الاعتقاد بأن حقوقهم تحتاج دائماً إلى صاحب نفوذ يفتح لها الباب.
وفايز رسامني، الآتي من عالم الأعمال، كان يُنتظر منه أن يحمل إلى وزارة الأشغال إدارة تُقاس بالكفاءة وجودة التنفيذ وعدالة توزيع المشاريع. لكن الانتقال من القطاع الخاص إلى الوزارة يضع صاحبه أمام اختبار سياسي أيضاً: هل يحمي المؤسسة من أصحاب النفوذ، أم يسمح لهم بتحويل أعمالها إلى أرصدة شخصية؟
خلفيته المهنية لا تعفيه من هذا الاختبار. ومسؤوليته أن يمنع استدراجه إلى مستنقع الزبائنية، وأن يرفض تقديم خدمات الوزارة وكأنها تمرّ حصراً عبر مكاتب النواب. فالوزير مسؤول عن خدمة اللبنانيين، لا عن تأمين مادة دعائية لمن يريد أن يدخل الانتخابات محمولاً على آليات الأشغال العامة.
وقد أعطى السجال مع النائب حسن مراد هذا السؤال وجهاً مباشراً، بعدما اعترض مراد على توزيع مشاريع التزفيت وأثار مسألة الحسابات الانتخابية. هذه اعتراضات تستوجب جواباً موثّقاً: ما الطرق التي اختيرت؟ وعلى أي أساس؟ وما حصة كل منطقة؟ ولماذا تتقدّم بلدة وتنتظر أخرى؟ لا تُحسم عدالة الإنماء ببيان دفاعي؛ تُحسم بمعايير منشورة يستطيع المواطن أن يقارنها بما يُنفَّذ أمام بيته.
ثم إن مسؤولية الوزارة لا تنتهي عند توزيع المشاريع. فالمشروع الذي يصل إلى المنطقة يحتاج إلى رقابة تضمن ألّا يتحوّل إلى هدر جديد. المطلوب متابعة المتعهدين، وفحص المواد، وضبط التنفيذ، والتأكد من تصريف المياه، وعدم استلام الأعمال قبل التحقق من مطابقتها للمواصفات.
الناس يكفيها ما في الطرق من حفر. لا تحتاج إلى ورشة تردم حفرة اليوم وتترك أسباب ظهور عشر غيرها غداً. وأي طريق تتداعى بعد أول شتوية تستوجب كشفاً فنياً يحدّد الخلل والمسؤول عنه، ومحاسبة تضع كلفة الإصلاح على من يثبت تقصيره، بدل العودة إلى جيب المواطن لتمويل الإنجاز نفسه مرة ثانية.
فالطريق ليست موسماً انتخابياً يُعاد تعبيده كلما اقترب الاستحقاق. والمال العام ليس اشتراكاً سنوياً في إصلاح الأخطاء ذاتها. المطلوب طرق تُنفَّذ وفق المواصفات الهندسية، لا وفق «مواصفات وائل أبو فاعور» أو غيره من أصحاب الحسابات الانتخابية؛ أي وفق معايير السلامة والحاجة والجودة، لا معايير الحضور السياسي وتوزيع الفضل.
وعلى النواب الذين يحرصون على إعلان متابعاتهم أن يحرصوا بالقدر نفسه على إعلان نتائج الرقابة: مَن نفّذ؟ وبأي كلفة؟ وهل اجتازت الأعمال الفحوص؟ ومَن يتحمّل المسؤولية إذا تضرّرت؟ فمن يتصدّر صورة الإنجاز لا يحق له أن يغيب عن سؤال المحاسبة.
أما الوزير، فعليه أن يستعيد للمؤسسة اسمها ودورها، وأن يجعل البلدية والمواطن قادرين على الوصول إلى حقوقهما من دون المرور الإلزامي بوسيط سياسي.
الزفت من المال العام، والطريق حق للناس. ومَن يريد أصواتهم فليقدّم ما يستحقها، لا أن يعيد إليهم جزءاً مما دفعوه، ثم يطالبهم بثمنه مرة أخرى في صندوق الاقتراع.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :