كان أهل القرى في بلاد الشام يقيسون الموسم بالمطر قبل أي شيء آخر. فإن جاء مبكراً وغزيراً اطمأنت الصدور وامتلأت الينابيع، وإن تأخر ارتفع القلق في البيوت قبل الحقول. غير أن هذا القياس القديم لم يعد يكفي، لأن المشكلة تجاوزت تأخر الغيمة إلى تحوّل أعمق في علاقة المنطقة بمائها: مناخ يزداد جفافاً وحرارة، وطلب يتضاعف مع النمو السكاني والنزوح، وإدارة للموارد لم تواكب أياً من الأمرين.
جغرافيا شحيحة وتاريخ طويل مع العطش
تقع بلاد الشام في حزام انتقالي بين مناخ المتوسط الرطب نسبياً وصحارى الجزيرة والنقب. وهي لم تكن يوماً غنية بالماء، لكنها عرفت توازناً هشاً حفظته أنظمة ريّ ابتكرها الناس عبر القرون: القنوات والسواقي والآبار والنواعير والمدرجات الجبلية. وللأنباط في الأردن حكاية معروفة مع جمع مياه الأمطار في البتراء. وهذا التاريخ يذكّرنا بأن الشحّ ليس قدراً جديداً، لكن ما يجري اليوم يختلف في السرعة والحدّة.
سوريا: موسمان متناقضان في عامين
تقدّم سوريا أوضح مثال على تقلّب المعادلة. ففي موسم 2025 ضرب البلاد جفاف قاسٍ وُصف بأنه الأسوأ منذ عقود، وقدّرت الفاو إنتاج القمح آنذاك بنحو 1.2 مليون طن فقط. وقال ممثل الفاو في سوريا إن جفاف موسم 2024-2025 أدى إلى تراجع في إنتاج القمح بنحو 60 في المئة، مع عجز مقدّر بـ2.7 مليون طن.
ثم جاء موسم 2026 بأمطار وفيرة قلبت الصورة. فقد توقعت الفاو أن يبلغ إنتاج القمح هذا العام 2.7 مليون طن، أي أكثر من خمسين في المئة فوق متوسط السنوات الخمس، وهو الأعلى منذ 2020. وأعلن مسؤول في المؤسسة السورية للحبوب أن المؤسسة تسلّمت 2.7 مليون طن من القمح، متجاوزة الحاجة السنوية البالغة 2.55 مليون طن، وأن البلاد بلغت الاكتفاء الذاتي لأول مرة منذ اندلاع الحرب عام 2011. وللمقارنة، كان متوسط الإنتاج قبل الحرب نحو 4.1 مليون طن سنوياً.
غير أن هذا التعافي لا يعني أن الأزمة طُويت. فقد أدرجت الفاو وبرنامج الأغذية العالمي سوريا بين 13 بؤرة جوع في العالم، مع تحذير من تفاقم انعدام الأمن الغذائي بين حزيران وتشرين الثاني 2026، ويعاني ملايين السوريين نقصاً في الغذاء بفعل الحرب وتدهور القدرة الشرائية. والدرس هنا أن مواسم الوفرة لا تُلغي الهشاشة، وأن الزراعة المعتمدة على المطر تبقى رهينة مزاج السماء.
لبنان: بلد الأنهار الذي يشكو سوء الإدارة
يتميز لبنان بوفرة نسبية في الموارد المائية قياساً بجيرانه، ولهذا تبدو أزمته أكثر إيلاماً، لأنها في جانب كبير منها أزمة إدارة وبنية تحتية وتلوث. فبحسب تقرير تحليلي حديث، انخفض حجم المياه في بحيرة القرعون عام 2025 إلى 45 مليون متر مكعب، أي أقل من ثلث المتوسط السنوي البالغ 160 مليوناً، وتراجع إنتاج الكهرباء المائية تبعاً لذلك. والهدر في الشبكات فادح: يصل إلى 60 في المئة نسبة المياه الداخلة إلى شبكة بيروت الكبرى التي لا تُحتسب، بين تسرب وسرقة وفواتير غير محصّلة. ويظل نهر الليطاني، أطول أنهار البلاد، عنواناً للتلوث الصناعي والزراعي والمنزلي.
وكان موسم الأمطار 2025-2026 قد بدأ بقلق، إذ سبقه شحّ في تشرين الثاني وكانون الأول 2025، قبل أن تأتي العواصف الثلجية في كانون الثاني وشباط. وقالت خبيرة أرصاد في أواخر شباط إن الأمطار الأخيرة قرّبت بعض المناطق، ولا سيما الشمال، من المعدلات الموسمية، مع بقاء المجموع العام دون الطبيعي بقليل. وهذا التحسن الجزئي لا يغيّر جوهر المسألة: لبنان يعتمد على ثلوج الجبال خزاناً طبيعياً، وحين يذوب الثلج مبكراً في الربيع تقلّ المياه المتاحة في الصيف حين يحتاجها المزارعون.
بالأرقام- ارتفاع تدريجيّ بمعدل الأمطار في لبنان... هل سيشهد عاصفة ثلجية قوية؟ +2
الأردن: الفقر المائي بوصفه سياسة عامة
يُصنَّف الأردن بين أفقر دول العالم مائياً. فبحسب البنك الدولي، لا تتجاوز حصة الفرد من المياه المتجددة 84 متراً مكعباً سنوياً، في مقابل عتبة 500 متر مكعب التي تحدد الشحّ المطلق. وتتفاوت التقديرات بحسب التعريف المعتمد، لكنها تدور كلها حول مئة متر مكعب أو أقل. وتظهر الأزمة في تفاصيل الحياة اليومية: كثير من بيوت عمّان تتلقى المياه من 12 إلى 24 ساعة أسبوعياً، وبعض مناطق الشمال مرة كل أسبوعين أو ثلاثة.
وتزداد الضغوط مع تراجع الإمدادات الخارجية: فقد انتهى في أواخر 2025 اتفاق تزويد الأردن بخمسين مليون متر مكعب سنوياً من إسرائيل، بحسب تقرير لصندوق النقد الدولي. أما الأمل الأكبر فهو مشروع الناقل الوطني بين العقبة وعمّان، إذ وقّعت الحكومة في نيسان الاتفاق الفني والقانوني النهائي له، ويُتوقع أن يرفع إمدادات المملكة 40 في المئة، بأكثر من 300 مليون متر مكعب سنوياً من مياه البحر المحلاة. وتتباين المواعيد المعلنة لدخوله الخدمة بين نهاية 2028 وحدود 2030.
البعد السياسي: الماء حين يصبح قضية سيادة
لا يمكن فصل أزمة المياه في الشام عن السياسة. فأحواض الأنهار تعبر الحدود، والتفاهمات حولها هشة، والخلافات المائية جزء من التوترات الإقليمية بين دول المنبع ودول المصب. والعطش في بيئة كهذه قد يتحول إلى عامل ضغط وتفجير، فيما يُنظر إلى التعاون المائي بوصفه من أنجع أدوات بناء الثقة متى توفرت الإرادة السياسية. وقد أثبتت تجارب دولية أن اتفاقيات تقاسم المياه يمكن أن تصمد بين الخصوم إذا بُنيت على بيانات علمية شفافة.
أثر الأزمة على الزراعة التقليدية
الزراعة التقليدية أول من يدفع الثمن. فالمزارع الصغير الذي يعتمد على المطر أو على نبع قريب لا يملك القدرة على حفر بئر عميقة ولا على شراء منظومة ريّ حديثة. وحين يتأخر المطر يخسر موسمه، وحين يتكرر ذلك يخسر أرضه أو يتخلى عنها. ومن هنا ترتبط أزمة المياه بالنزوح الريفي: تفرغ القرى من أبنائها ويتراجع الإنتاج المحلي وتزداد التبعية للاستيراد. وتتعرض كذلك الأصناف المحلية القديمة، التي تأقلمت مع البيئة عبر أجيال، لخطر الاندثار إن لم تُصَن وتُوثَّق.
دروس من الخارج
لجأت بلدان متوسطية تواجه جفافاً متكرراً، كإسبانيا وإيطاليا واليونان، إلى الريّ بالتنقيط وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة وإحياء المحاصيل المقاومة للجفاف. وفي المغرب وتونس برامج لجمع مياه الأمطار وتشجيع الزراعات المتكيفة مع المناخ الجاف. والدرس المشترك أن الأزمة تُواجَه بمزيج من التقنية والتخطيط والتوعية، لا بإجراء واحد.
ما الذي يمكن فعله؟
على المستوى الوطني: تحديث شبكات المياه للحد من الهدر، وضبط حفر الآبار، ومعالجة مياه الصرف لإعادة استخدامها في الريّ، وتنظيف الأنهار من التلوث. وعلى مستوى المزارع: التوسع في الريّ بالتنقيط، وزراعة أصناف تتحمل الجفاف، وبناء برك وخزانات صغيرة لجمع مياه الأمطار. وعلى مستوى البلديات: إحياء السواقي والمدرجات القديمة، وحماية الينابيع من التعديات، ونشر ثقافة الترشيد. وعلى المستوى الإقليمي: تعاون جدي في تبادل البيانات المائية والمناخية، لأن الجفاف لا يعترف بالحدود.
الماء في بلاد الشام لم يعد مورداً يُؤخذ كأنه مضمون، بل بات امتحاناً لقدرة المنطقة على إدارة نفسها. فسوريا انتقلت في عامين من جفاف قاسٍ إلى حصاد وفير، ولبنان تأرجح بين موسم شحيح وشتاء أقرب إلى المعدل، والأردن يراهن على مشروع تحلية ضخم ما زال قيد الإنجاز. وبين هذه التقلبات تتضح الحقيقة: المشكلة ليست في غياب المطر وحده، بل في غياب القدرة على الادخار والتخطيط وسط التقلب. ويقف الفلاح الصغير على حافة الحقل، ينظر إلى السماء كما نظر أجداده، ويسأل السؤال القديم نفسه: هل تمطر هذا العام؟ والجواب هذه المرة لا تحمله الغيوم وحدها، بل تحمله القرارات التي نتخذها قبل أن يجف النبع.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :