الحِرف المهددة بالاندثار في لبنان: الفخار والنول والنحاس والزجاج المنفوخ

الحِرف المهددة بالاندثار في لبنان: الفخار والنول والنحاس والزجاج المنفوخ

 

في ورشة صغيرة عند أطراف بلدة جنوبية، ينحني رجل ستيني أمام فرن تتوهّج فيه النار، ويغمس قصبته في كتلة الزجاج المنصهر، ثم ينفخ فيها فتنتفخ كأنها تتنفس. لقطة تبدو خارجة من كتاب تاريخ، وهي في الحقيقة مشهد حي يتكرر كل صباح، لكنه يتكرر عند عدد يتناقص من الناس. فالحِرف اليدوية في لبنان تقف اليوم على حافة سؤال وجودي: هل تبقى ذاكرةً تُعرض في المعارض، أم تبقى مهنةً تُعيل أصحابها؟

ما الذي نخسره حين تغيب الحرفة؟

الحرفة ليست سلعة فحسب. هي معرفة مركّبة تنتقل من اليد إلى اليد، من حرارة الفرن التي يقدّرها الحرفي بعينه، إلى طينة الفخار التي يعرف جودتها بلمسة، إلى خيوط النول التي يحسّ توترها بأصابعه. وهذه المعارف لا تُكتب في كتاب ولا تُختصر في شريط مصوّر. إذا انقطعت سلسلة التلمذة بين المعلّم والصبي، انقطع معها علم لا يمكن استعادته بالمال لاحقاً. وللبنان في هذا الباب رصيد استثنائي، فصناعة الزجاج ارتبطت تاريخياً بالساحل الفينيقي، وتُنسب إلى صيدا وجوارها مرحلة مبكرة من تطور النفخ في الزجاج، وهي حقيقة تجعل من الحرفة هنا امتداداً لتاريخ طويل لا مجرد هواية تراثية.

الزجاج المنفوخ: نار تحافظ على صمودها

يُعرف الجنوب اللبناني، ولا سيما منطقة الصرفند وجوارها، بمشاغل الزجاج المنفوخ التي ما زالت تنتج كؤوساً وأباريق وقناني بألوانها المائلة إلى الأزرق والأخضر الفاتح، وبفقاعاتها الصغيرة التي صارت علامة أصالة. وتكمن صعوبة هذه الحرفة في كلفتها المرتفعة: الفرن يعمل ساعات طويلة، والوقود غالٍ، والكسر جزء من الإنتاج، والحرارة المرتفعة تستنزف جسد الحرفي. وفي ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع كلفة الطاقة، صار بقاء الفرن مشتعلاً مجازفة يومية. وفي المقابل، يشتري السائح والمغترب القطعة بسعر زهيد نسبياً لا يعكس الجهد المبذول فيها، فتختل المعادلة بين الكلفة والعائد.

الفخار: الطين الذي يحتاج إلى سوق

الفخار من أقدم الصناعات في بلاد الشام، وقد ارتبطت به بلدات لبنانية عدة عُرفت بجرارها وأباريقها وأواني الطبخ والزينة. وفي الجنوب والبقاع الغربي وبعض مناطق الجبل ما زالت ورش صغيرة تعمل على الدولاب بأساليب تقليدية. غير أن الفخار يواجه منافسة قاسية من الأواني البلاستيكية والمعدنية الرخيصة المستوردة، فتراجع استعماله اليومي في البيوت وانحصر غالباً في الهدايا والديكور. وهذا التحول بحد ذاته يغيّر طبيعة الحرفة: فالصانع الذي كان يلبّي حاجة أسرة صار يجتهد ليقنع زائراً بأن يقتني قطعة جميلة. وهنا يبرز سؤال الابتكار: كيف يُطوَّر المنتج ليدخل البيت الحديث من غير أن يفقد روحه؟

النحاس: طرق المطارق في الأسواق القديمة

ارتبطت صناعة النحاس بالأسواق القديمة في المدن اللبنانية، ولا سيما طرابلس وصيدا وبيروت، حيث كان الحدّاد والنحّاس يصنعان الأواني والقدور والصواني والدلال، ويزخرفانها بنقوش دقيقة تُنقش بالمطرقة والإزميل. اليوم تقلصت هذه الأسواق وتراجع عدد النحّاسين، لأن الأواني المصنّعة آلياً صارت أرخص وأسهل في الحصول عليها. ويضاف إلى ذلك ارتفاع سعر المعدن الخام وصعوبة تأمين المواد، وهو ما يضغط على هامش الحرفي ويجعل الاستمرار مكلفاً. ومع ذلك يظل للنحاس المطروق جاذبية خاصة عند محبي الأعمال اليدوية، وهذا خيط أمل يمكن البناء عليه.

النول: خيوط تُنسج على الذاكرة

عرف لبنان صناعة النسيج اليدوي على الأنوال في قرى عدة، من الحرير في الجبل إلى القطن والصوف في مناطق أخرى. وقد تراجعت هذه الصناعة بحدة منذ القرن الماضي أمام الإنتاج الصناعي والمستورد، حتى صار النول في كثير من البيوت قطعة أثرية مركونة في زاوية. ولا يزال بعض الحرفيين، وغالبيتهم من كبار السن، يحيون هذه الصناعة، وبينهم نساء يحافظن على الأقمشة المطرّزة والمنسوجة التي تحمل رموز المناطق وألوانها. ومشكلة النول مضاعفة: فهو بطيء الإنتاج، وكلفة القطعة فيه مرتفعة قياساً بالمصنّع، والمهارة المطلوبة لا يكتسبها الشاب في أسابيع.

من بقي من أهل الحرفة؟

الملاحظة المشتركة بين هذه الحِرف أن معظم من بقي فيها من الجيل المتقدم في السن، وأن الأبناء اختاروا في الغالب مهناً أكثر استقراراً أو هاجروا بحثاً عن دخل أفضل. وهذا ليس لوماً للأبناء، فالحرفة التي لا تؤمّن حياة كريمة لا يمكن أن تُورَّث بالعاطفة. وعدد كبير من الحرفيين يعمل بمفرده أو مع أفراد من العائلة، بلا تأمين صحي ولا ضمان اجتماعي ولا تمثيل نقابي يحمي مصالحهم، ما يجعل أي صدمة اقتصادية أو مرض قاضياً على الورشة.

نظرة إقليمية ودولية

لبنان ليس وحده في هذا المأزق. ففي فلسطين يقاوم زجاج الخليل وفخاره ضغط السوق والظروف السياسية، وفي سوريا انهارت ورش عريقة في دمشق وحلب بفعل الحرب والنزوح، وفي مصر وتونس والمغرب تتفاوت الحال بين حرف رعتها الدولة بوصفها جزءاً من هوية سياحية وأخرى تُركت لمصيرها. وعلى الصعيد الدولي، قدّمت تجارب عدة دروساً مفيدة: ففي إيطاليا حافظت جزيرة مورانو على سمعة الزجاج الفاخر عبر حماية الاسم والجودة وربط الحرفة بالسياحة والتصدير، وفي اليابان يُمنح كبار الحرفيين لقب كنز وطني حي ويُموَّلون لنقل معارفهم إلى تلاميذ، وقد أدرجت اليونسكو عدداً من الحِرف التقليدية في قائمة التراث غير المادي لحمايتها من النسيان. وليس المطلوب نسخ هذه النماذج حرفياً، بل استلهام فكرتها المركزية: أن الحرفة تحتاج إلى سياسة، لا إلى عاطفة وحدها.

ما الذي يحتاجه الحرفيون ليستمروا؟

الاحتياجات واضحة ويمكن ترتيبها في خمسة محاور. أولاً، دعم الطاقة والمواد الأولية، لأن الفرن والمشغل يعتمدان على وقود ومعادن وطين بكلفة متزايدة. ثانياً، التمويل الصغير الميسّر الذي يتيح للحرفي تحديث أدواته وتأمين رأس مال تشغيلي بلا فوائد مرهقة. ثالثاً، حماية الاسم والمصدر وتوثيق المنتج اليدوي بعلامة تميّزه عن المقلّد المستورد، فيعرف المشتري ما الذي يدفع ثمنه. رابعاً، التسويق والوصول إلى الأسواق، ولا سيما عبر الإنترنت وعبر الاغتراب اللبناني الذي يحنّ إلى كل ما يذكّره بالوطن. وخامساً، وهو الأهم، برامج التلمذة المنظمة التي تضمن نقل المهارة من المعلّم إلى جيل جديد، مع أجر عادل يجعل التعلّم خياراً جاداً لا تضحية.

ويضاف إلى ذلك أن الحرفة قادرة على التجدد إذا التقت بالتصميم المعاصر. فكم من حرفي نجح حين تعاون مع مصمم شاب فحوّل قطعة تقليدية إلى منتج يناسب ذوق اليوم، من غير أن يخسر هويته. التراث الحي ليس جامداً، بل يتنفس ويتغير وهو يحافظ على جوهره.

خاتمة

الحِرف اليدوية في لبنان لا تحتضر لأن الناس نسوها، بل لأن الاقتصاد لم يعد يتسع لها. وهذا يعني أن إنقاذها ممكن متى توفرت إرادة تعيد الحساب: حساب الكلفة والعائد، وحساب الأجيال، وحساب الهوية. فكل فرن زجاج يُطفأ وكل دولاب فخار يتوقف وكل نول يُغطّى بقماش يعني أننا نخسر، قطعة قطعة، جزءاً من وجهنا الذي عرفنا به أنفسنا للعالم. وما زال في الأمر وقت، لكنه وقت ضيّق، ومفتاحه بيد من يقرر أن الحرفة ثروة وطنية لا مجرد حنين.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي