في كل صيف وخريف، تتحول ساحات القرى اللبنانية إلى مسارح مفتوحة وأسواق مؤقتة. تُرفع اللافتات وتُنصب الخيم وتُعلَّق الزينة، ويجتمع المنتجون والزوار والمسؤولون حول موسم ما: دبس في القصيبة، تين وزيتون في قرى أخرى، تفاح وكرز وجوز في مناطق الجبل، وزعتر ومونة في غير مكان. تتشابه المشاهد من بلدة إلى أخرى، ويتكرر معها السؤال: هل نحن أمام احتفال عابر ينتهي بانتهاء الأمسية، أم أمام أداة حقيقية للتنمية المحلية؟
لماذا تكاثرت المهرجانات؟
للظاهرة أسباب متشابكة. فالبلديات، في ظل ضعف الموازنات المركزية وتراجع الخدمات العامة، تبحث عن مبادرات سريعة تعطي البلدة حضوراً وتُشعر أهلها بأن الحياة فيها لم تتوقف. والمهرجان أسهل الأدوات: كلفته محدودة نسبياً، وصداه الإعلامي فوري، وصورته مؤثرة عند الناخب والمغترب والزائر معاً. يضاف إلى ذلك أن الأزمة الاقتصادية دفعت كثيراً من اللبنانيين إلى السياحة الداخلية، فصار الخروج إلى القرى في نهاية الأسبوع بديلاً عملياً عن السفر.
ما الذي يتحقق فعلاً؟
حين يُحسن تنظيمه، يترك المهرجان أثراً ملموساً. فهو يمنح المنتجين الصغار، ولا سيما النساء والتعاونيات، منصة بيع مباشرة بلا وسيط، وبهامش ربح أعلى من السوق التقليدية. وهو يحرّك مؤسسات البلدة المجاورة من مطاعم ومحال ونُزُل، ويُعرّف بالمنتج المحلي لجمهور من خارج البلدة قد يصير زبوناً دائماً. وله فوق ذلك وظيفة اجتماعية لا تُقاس بالأرقام: يجمع أهل القرية ومغتربيها على مناسبة واحدة، ويعيد وصل الأجيال بتراثها، ويرفع معنويات بلدات أنهكتها الهجرة والأزمة.
حيث تتعثر التجربة
غير أن الصورة ليست وردية دائماً. فكثير من المهرجانات يقوم على المبادرة الموسمية من غير استراتيجية تسبقه أو تتبعه. ينتهي الحدث، ويُطوى المعرض، ولا يبقى منه سوى الصور. وفي حالات عدة يغلب الطابع الفولكلوري الاستعراضي على الجوهر الاقتصادي، فتُصرف الموارد على الحفل والمنصة، ويُترك المنتج نفسه بلا تدريب ولا تعبئة لائقة ولا علامة تجارية.
ومن الإشكالات المتكررة أيضاً تشابه المهرجانات في المضمون والتوقيت، فتتنافس البلدات المتجاورة على الجمهور نفسه بالبضاعة نفسها، بدل أن تتكامل فيما بينها. وقد تدخل على الخط منتجات من خارج البلدة لا صلة لها بالموسم، فتُفرغ الحدث من معناه وتضرّ بالمنتج الأصيل. وثمة مسألة الشفافية في الإنفاق والتمويل، وسؤال من يستفيد فعلاً: المنتج الصغير أم من يملك القدرة على استئجار أفضل الأجنحة؟
نماذج متباينة في المناطق
تتفاوت التجارب بين منطقة وأخرى. ففي المتن الأعلى وبلداته الجبلية، ارتبطت المهرجانات غالباً بالمواسم الزراعية والمونة، وهي تقوم على إنتاج محلي حقيقي يمنحها مصداقية. وفي الشوف، حيث تتجاور المحميات الطبيعية مع المواقع التراثية والمهرجانات الفنية الكبرى، تتوفر إمكانية الدمج بين الثقافة والطبيعة والمنتج الريفي. وفي كسروان وجبيل، حيث البنية السياحية أكثر تطوراً وحيث المهرجانات الصيفية الكبرى معروفة، يبرز الفارق بين حدث ضخم يستقطب جمهوراً واسعاً وحدث صغير يخدم منتجاً محلياً محدداً. وكل نموذج من هذه النماذج يعلّم درساً مختلفاً، ولا يصلح استنساخ أحدها حرفياً في بلدة أخرى.
معايير المهرجان الناجح
يمكن تلخيص ما يفصل بين مهرجان يصنع فرقاً ومهرجان يمرّ بلا أثر في معايير عملية: أن يرتكز على منتج حقيقي ينتجه أهل البلدة، لا على شعار يُعلَّق فوق منصة. أن يسبقه تحضير للمنتجين من حيث الجودة والتعبئة والتسعير، ويتبعه تسويق مستمر يتجاوز أيام الحدث. أن يُنسَّق مع البلدات المجاورة لتوزيع المواعيد وتبادل الجمهور. أن تتوزع عائداته بعدالة على المشاركين. وأن يُقاس نجاحه بأثره في دخل الأهالي وحركة البلدة بعد انتهائه، لا بعدد الحضور ولا بعدد الشخصيات الرسمية في الصف الأول.
المهرجان البلدي ليس عيباً ولا معجزة. هو أداة، قيمتها بما يُبنى حولها. حين يكون مناسبة تُستثمر لتقوية المنتج المحلي وتثبيت الناس في أرضهم، يصبح رافعة حقيقية للقرية. وحين يُختزل بالافتتاح والخطابات والصور التذكارية، يبقى احتفالاً جميلاً قصير العمر. والفرق بين الحالين لا تصنعه الميزانية بقدر ما تصنعه الرؤية: أن ننظر إلى الموسم بوصفه بداية مسار، لا نهاية أمسية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :