تقرير ايكون نيوز
حين يميل الصيف إلى نهايته وتخفّ حدّة الشمس على السفوح، تتبدّل الروزنامة في القرى اللبنانية قبل أن تتبدّل الفصول. لا يعود الوقت يُقاس بالأشهر بل بالمواسم: موسم قطاف العنب، ثم موسم الدبس، ثم تجفيف الزعتر والتين، ثم الكشك الذي يُنشر على الأسطح كأنه رسالة شكر إلى الشمس الأخيرة. إنها المونة، تلك الكلمة التي تختصر في لبنان فلسفة كاملة في العيش: أن تخزّن اليوم ما يسندك غداً.
الضرورة التي صارت ثقافة
لم تولد المونة من الترف ولا من الحنين. ولدت من حاجة صارمة في بلاد جبلية تنقطع طرقها بالثلج شتاءً، وتقلّ فيها الأسواق، وتعتمد فيها العائلة على ما جمعته بيدها. فالعنب يتحوّل إلى دبس وزبيب، والحليب إلى لبنة وشنكليش، والقمح إلى برغل وكشك، والخضار إلى مكبوس ومخلل، والزيتون إلى زيت وزيتون مملّح. كل صنف منها كان حلاً لمشكلة، قبل أن يصبح لاحقاً طبقاً على المائدة وذكرى في الوجدان.
وما يلفت في هذه الصناعة المنزلية أنها لم تكن عملاً فردياً. فالقطاف والعصر وطبخ الدبس في القدور الكبيرة وفرد الكشك على الأسطح، كلها كانت أعمالاً جماعية تتشارك فيها الجارات والأقارب. هكذا كانت المونة مدرسة اجتماعية غير معلنة، تُنقل فيها المهارات من الجدّة إلى الحفيدة، وتُرسَّخ فيها روابط الحيّ، وتُنسج الحكايات حول النار والقدور.
اقتصاد البيوت الريفية
خلف الصورة الشاعرية اقتصاد حقيقي. فالبيت الريفي الذي ينتج مونته يوفّر على نفسه جزءاً معتبراً من نفقات الغذاء السنوية، ويحتفظ بقيمة مضافة لا تذهب إلى الوسيط. وحين تتجاوز العائلة حاجتها وتبيع الفائض، تتحول المونة إلى مصدر دخل إضافي، تقوده في الغالب النساء، وهو دخل يصعب أن تلتقطه الإحصاءات الرسمية لأنه يدور في الاقتصاد غير المنظّم.
وقد زادت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان منذ سنوات من أهمية هذا الاقتصاد. فمع انهيار القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المواد المستوردة، عادت عائلات كثيرة إلى المونة بوصفها شبكة أمان، بعدما كانت قد تراجعت عندها لصالح المنتج الجاهز. ومن هنا يمكن القول إن الأزمة أعادت إلى بعض البيوت عادة كانت تتآكل، وإن كانت العودة قسرية قبل أن تكون اختيارية.
من البيت إلى السوق والمهرجان
الجديد في العقدين الأخيرين أن المونة خرجت من حدود البيت إلى فضاء أوسع. ظهرت التعاونيات النسائية والمشاريع الصغيرة التي تعبّئ المنتجات وتسوّقها بعلامات تجارية، ونشطت الأسواق الموسمية والمعارض في البلدات، وصارت المهرجانات البلدية، كمهرجان الدبس في القصيبة، منصّات تجمع المنتج بالمستهلك وتمنح الحرفة اعترافاً علنياً بقيمتها. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كلما ابتعد الناس عن نمط العيش الريفي، ازداد طلبهم على منتجاته بوصفها رمزاً للأصالة والجودة.
غير أن هذا التحول يحمل أسئلته الصعبة. فالتوسّع في الإنتاج قد يضغط على الجودة التي بنت السمعة. والمنافسة مع منتجات مقلّدة أو مخلوطة قد تضرّ بالصانع الأمين. وغياب معايير واضحة للتصنيع والتعبئة والتسمية يُبقي كثيراً من المنتجين خارج الأسواق الأكبر، سواء في المدن أو في أسواق الاغتراب التي يتلهف أهلها على طعم الضيعة. وهنا تكمن الحاجة إلى حماية الأسماء والمصادر، على غرار ما فعلت دول متوسطية عدة مع زيوتها وأجبانها ونبيذها.
التحدي المناخي والبشري
يواجه موسم المونة اليوم خطرين متوازيين. الأول مناخي: ارتفاع الحرارة وتبدّل مواعيد الأمطار وشحّ المياه، وكلها عوامل تربك مواعيد القطاف وتؤثر في جودة المحصول وكميته. والثاني بشري: هجرة الشباب من القرى، وتراجع عدد من يعرفون الأسرار الدقيقة للصنعة، من نسبة الماء إلى مدة الغلي إلى توقيت التجفيف. فالمعرفة التي تنتقل شفاهةً وبالمشاهدة تضيع إذا انقطعت السلسلة بين الأجيال.
ما الذي يحفظ الموسم؟
الحفاظ على المونة لا يكون بالحنين وحده. يحتاج إلى دعم عملي: تدريب للمنتجين على معايير السلامة الغذائية، وتسهيل الوصول إلى التمويل الصغير، وحماية قانونية للمنتجات المرتبطة بمناطقها، وتسويق ذكي يربط القرى بالمدن وبالمغتربين. ويحتاج كذلك إلى توثيق الوصفات والتقنيات القديمة قبل أن تغيب مع أصحابها، وإلى إشراك الجيل الجديد بوصفه شريكاً في الصنعة لا متفرجاً عليها.
المونة في الجبل اللبناني ليست جرّة دبس على رفّ المطبخ ولا صحن زعتر على مائدة الفطور. هي ذاكرة اقتصادية واجتماعية تختصر علاقة اللبناني بأرضه، وحكمة العيش بما تجود به الطبيعة والاستعداد لما تخبّئه الأيام. وبين قدور الدبس المتصاعدة في ساحات القرى وأسطح الكشك الممتدة تحت الشمس، يتجدد سؤال أكبر من الموسم نفسه: هل ننجح في أن نحوّل هذا الموروث من حنين جميل إلى اقتصاد ريفي حيّ ومستدام، يثبّت الناس في قراهم ويمنح الأرض سبباً إضافياً لتبقى مأهولة؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :