اللبنانيون يرفضون النظام الطائفي… فلماذا يبقى أقوى من إرادة التغيير؟

اللبنانيون يرفضون النظام الطائفي… فلماذا يبقى أقوى من إرادة التغيير؟


تكشف دراسة حديثة عن مفارقة لبنانية لافتة: أكثرية واسعة من اللبنانيين لا تبدو متمسكة بالنظام الطائفي كما توحي صورة المشهد السياسي، بل على العكس، تُظهر النتائج ميلاً واضحاً نحو الهوية الوطنية والديمقراطية ورفض الأحزاب القائمة على الانتماء الديني أو الطائفي.
الاستطلاع، الذي أُجري مطلع عام 2026 على عينة تمثيلية من 3000 مواطن لبناني من مختلف المحافظات والأقضية، أظهر أن 77.1 في المئة من المشاركين ينظرون سلباً إلى نظام تقاسم السلطة الطائفي، فيما عارض 75.8 في المئة دعم الأحزاب القائمة على أساس ديني أو طائفي. كما وضع 60.8 في المئة الهوية الوطنية في المرتبة الأولى بين هوياتهم، واعتبر نحو 90 في المئة أن الديمقراطية هي الشكل المفضل للحكم. 
لكن المفارقة تبدأ هنا.
فإذا كانت هذه النسب تعكس رفضاً واسعاً للنظام القائم، لماذا يستمر هذا النظام في إعادة إنتاج نفسه انتخاباً بعد انتخاب، وأزمة بعد أزمة؟
الدراسة تقترح جواباً يتجاوز الفكرة المبسطة القائلة إن اللبنانيين أسرى طوائفهم فقط. المشكلة، بحسب نتائجها، تكمن في الفجوة بين الرغبة بالتغيير والثقة بإمكان تحقيقه. فعدّة لبنانيين قد يرفضون النظام، لكنهم في الوقت نفسه يرون أن الاحتجاج مكلف، وأن المشاركة قد تعرّضهم لمخاطر شخصية من دون ضمانة حقيقية بأن الآخرين سيتحركون معهم أو أن النتيجة ستتغير.
بمعنى آخر، النظام لا يعيش فقط بقوة من يدافعون عنه، بل أيضاً بتردد من يرفضونه.
وهذه النقطة تفتح باباً أوسع لفهم السياسة اللبنانية. فالمواطن الذي يعارض الطائفية نظرياً قد يعود عند لحظة الخوف أو الانتخابات أو الحاجة الاقتصادية إلى الشبكة نفسها التي يقول إنه يريد التخلص منها. وهنا تتحول الطائفة من قناعة سياسية إلى شبكة حماية ومصالح وخدمات، في بلد ضعفت فيه الدولة إلى حد جعل الولاء السياسي في كثير من الأحيان مرتبطاً بالحاجة اليومية.
وتدعم أبحاث أخرى هذه الصورة المعقدة. فقد أظهرت دراسة حديثة عن السلوك الانتخابي في لبنان أن شراء الأصوات وشبكات الزبائنية لا تزال حاضرة بقوة في العلاقة بين الناخب والنخب الطائفية، فيما تشير أبحاث أخرى إلى أن الخوف من هيمنة الجماعات المنافسة قد يدفع المواطنين إلى الدفاع عن ترتيبات مؤسساتية لا يثقون بها أصلاً. 
وهنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفاً.
المشكلة ليست فقط: هل يريد اللبنانيون إسقاط النظام الطائفي؟
بل: هل يثق اللبناني بأن اللبناني الآخر مستعد للذهاب معه حتى النهاية؟
فالانتقال من رفض فردي واسع إلى قوة سياسية قادرة على التغيير يحتاج إلى أكثر من شعارات. يحتاج إلى ثقة متبادلة، وإلى بديل سياسي مقنع، وإلى ضمانات بأن الخروج من النظام الطائفي لا يعني الانتقال إلى فراغ أو إلى هيمنة فريق على آخر.
لهذا تبدو المعادلة اللبنانية أكثر تعقيداً من عبارة «الشعب يريد». الشعب قد يريد بالفعل، لكن الإرادة وحدها لا تبني بديلاً إذا بقي كل فرد ينتظر الآخر كي يبدأ.
والأخطر أن القوى التقليدية تدرك هذه الحقيقة جيداً. فهي لا تحتاج دائماً إلى إقناع الناس بالنظام، بل يكفيها إقناعهم بأن تغييره مستحيل.
وهنا تحديداً تكمن قوة النظام الطائفي اللبناني: ليس في مقدار الحب الذي يحظى به، بل في مقدار الخوف من المجهول الذي يلي سقوطه.
والنتيجة أن أكثرية قد ترفض النظام، فيما يستمر النظام في حكم الأكثرية.
وهذه ربما ليست فقط أزمة طائفية، بل أزمة ثقة سياسية عميقة: بين المواطن والدولة، وبين المواطن والبديل، وبين اللبناني واللبناني الآخر.
وهذه الزاوية برأيي أقوى من تقديم المادة كخبر استطلاع فقط؛ لأنها تحوّل الأرقام إلى سؤال سياسي مباشر يمس جوهر الأزمة اللبنانية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي