كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في خريف 2020، جاء ربيع بنات إلى رئاسة الحزب بتوافق واسع من المجلس الأعلى المنتخب في سبتمبر من العام نفسه، وسط آمال حقيقية بكسر الحلقة المفرغة التي عانى منها الحزب منذ عقود. التفاف القوميين حول القيادة الجديدة لم يكن مجاملة، بل رهاناً واعياً على برنامج عملي لإصلاح البنية التنظيمية، وشفافية مالية تنهي غموض الحسابات الحزبية، وحواراً داخلياً يحترم الاصول الدستورية، وموقفاً سياسياً يعيد للحزب دوره التاريخي في مواجهة الاحتلال.
لكن السنوات التي تلت ذلك كشفت شيئاً آخر: استمر النهج القديم نفسه تحت أسماء جديدة. بقيت الإدارة مركزية، والقرارات تصدر من فوق دون مشاورات فعلية مع الهياكل الدنيا، والملفات المالية بعيدة عن رقابة الأعضاء، والحوار الداخلي شكلياً لا يغيّر الواقع. والأخطر هو استمرار "المجازر الدستورية" التي كانت السبب الرئيسي في تفاقم الأزمة السابقة؛ فتجاوزات قانونية وإدارية متعمدة أثارت استياء واسعاً بين القيادات الوسطى والقاعدة المناضلة، حتى صار الشعور العام بأن تغيير الأسماء دون تغيير النهج ليس إصلاحاً بل إعادة إنتاج لنفس الأزمة بقناع جديد. النتيجة: إحباط تراكمي، تراجع في المشاركة، وعزوف شبابي واضح عن النشاط التنظيمي.
تثمين خطوة المجلس الأعلى
بعد استنفاد كل سبل المعالجة وفق الأصول، قرر المجلس الأعلى، برئاسة الأمين غسان مطر، وبأكثرية الثلثين، إقالة رئيس الحزب ربيع بنات استناداً إلى الصلاحية المنصوص عليها في البند السابع عشر من المادة التاسعة عشرة من القانون الدستوري رقم (9) لعام 2001.
هذا القرار ليس تصفية حسابات، بل تطبيق صارم للدستور الحزبي وممارسة طبيعية لصلاحيات الرقابة والمساءلة. البيان الصادر عن رئيس المجلس الأعلى حدد السياق بدقة: "في مرحلة قومية بالغة الخطورة، تتعرض فيها الأمة لتحديات وجودية وسياسية وأمنية تمس وحدتها وسيادتها ومصالحها القومية، تزداد الحاجة إلى حزب قوي، موحد الإرادة، فاعل بمؤسساته."
القرار يؤكد أن المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن الدستور ليس ورقة تُرفع عند الحاجة ثم تُرمى جانباً. إنه رسالة واضحة لكل من حاول تحويل الحزب إلى ملكية خاصة: هنا لا مكان إلا للقانون والنظام والشرعية.
المواصفات المطلوبة في الرئيس القادم
انتخاب رئيس جديد في جلسة الثلاثاء ليس إجراءً روتينياً، بل اختيار مصيري سيحدد مسار الحزب لسنوات. المطلوب رئيس يمتلك:
العمق الفكري والعقائدي:
تمكّن كامل من فكر الزعيم أنطون سعاده وفلسفته القومية الاجتماعية، مع قدرة على تجديد الخطاب بما يتناسب مع متطلبات العصر دون المساس بجوهر الرسالة.
الخبرة السياسية والعملية:
فهم واقعي للتوازنات الإقليمية والدولية، وقدرة على بناء علاقات فعالة مع القوى الوطنية والقومية وتمثيل الحزب بكفاءة.
الالتزام الصارم بالدستور والمؤسسات:
إيمان حقيقي بسيادة الدستور الحزبي وتطبيقه بحذافيره دون انتقائية، واحترام صلاحيات كل هيكل حزبي والسماح بالعمل النقابي والفكري الحر داخل صفوف الحزب.
الشفافية والمحاسبة:
شفافية مالية وإدارية كاملة، وخضوع للعمل للمحاسبة الدورية من قبل المجلس الأعلى، وقبول بالنقد البنّاء كأداة تطوير لا تهديداً للسلطة.
القدرة على الوحدة والتجميع:
رأب الصدع وإعادة توحيد الصفوف بعد الأزمة الأخيرة، ونزاهة معروفة وقدرة على الاستماع لجميع الأطراف وبناء جسور الثقة بين الفرقاء.
الرؤية الاستراتيجية:
خطة واضحة لتطوير الحزب خلال الولاية: تحديث البنية التنظيمية، جذب الشباب وبناء جيل جديد من المناضلين، تعزيز الدور الإعلامي والثقافي، وتحسين الوضع المالي والإداري.
الموقف الوطني والقومي الواضح:
وقوف الحزب في طليعة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وصوت فعال في الدفاع عن قضايا الأمة، والمساهمة في بناء جبهة وطنية واسعة تجمع جميع القوى المناهضة للاحتلال والاستعمار.
خاتمة: العودة إلى السكة التي أرادها سعاده
خطوة المجلس الأعلى ليست نهاية الأزمة، بل بدايتها الحقيقية نحو الحل. إنها تؤكد أن الحزب السوري القومي الاجتماعي ما زال حياً قادراً على التصحيح الذاتي، وأن مؤسساته قادرة على ضبط النفس وتصويب المسار عندما ينحرف.
المطلوب الآن من جميع القوميين الوقوف صفاً واحداً خلف هذه الخطوة المؤسسية ودعم العملية الانتخابية القادمة بكل قوة، ومن المرشحين المحتملين تقديم برامج واضحة والتزام علني باحترام الدستور والمؤسسات.
سعاده أسس هذا الحزب ليكون مدرسة للكفاح القومي والاجتماعي، ومثالاً على ما يمكن تحقيقه عندما تتوحد الإرادة مع العلم والعمل. لقد ضللنا كثيراً عن هذه السكة، وما زالت هناك فرصة أخيرة لإعادة البناء على الأسس الصحيحة.
الرئيس القادم لن يكون مجرد مدير للشؤون اليومية، بل حامل رسالة ومسؤولاً أمام التاريخ وأمام شهداء الحركة القومية. السؤال المطروح: هل نملك الشجاعة لاختيار الشخص المناسب لهذه المهمة التاريخية؟ أم سنواصل دورة الفشل ذاتها باسم التغيير؟
الحزب لنا جميعاً. ومستقبله بأيدينا. فلنضعه على السكة الصحيحة التي أرادها مؤسسه العظيم أنطون سعاده.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :