بعد "مؤامرة" فيرفورد..هل تستطيع إيران ضرب بريطانيا في الصميم
في أعقاب أيام من الصمت تخللها تصريح غامض هنا وتعليق مبهم هناك، دخلت بريطانيا على خط الجدال بشأن "مؤامرة" قاعدة فيرفورد، حينما كشف، الثلاثاء الماضي، رئيس وزرائها آندي بورنهام، أن هناك "مؤشرات قوية" على أن إيران لعبت دوراً في الاعتداء المفترض. وفي الوقت الذي وضع فيه النقاط على الحروف، كانت قصة المؤامرة المزعومة قد ازدادت تعقيداً بفعل القيل والقال، فيما تسابق "فاعلو الخير" من الداخل والخارج لاستغلالها، كلّ بطريقته. واللافت أن التكهنات التي لا تزال تتردد حول طبيعة الحدث، تنطوي على التسليم بأن إيران باتت قادرة على إيذاء بريطانيا.
والواقع أن الفوضى بدأت تطغى على القصة مع إطلاق الخمسة، الذين ضُبطوا فجر الأحد الماضي وهم يتحركون بصورة مريبة بوجوه غطتها أقنعة سوداء بالقرب من فيرفورد، بكفالة. فالاستجواب على مدى يومين لم يُسفر عن أدلة على تورطهم بعمل مخالف للقانون، ولم تعثر السلطات على أسلحة في عربات الشحن الثلاث التي كانوا يستقلونها.
لماذا تُستهدف فيرفورد؟
في المقابل، توفرت سلفاً أدلة على أن فيرفورد، التي بدأت العمل في 1944 وتُعتبر من أهم 12 قاعدة جوية "مشتركة" لسلاح الجو الملكي والقوى الجوية الأميركية، كانت في مرمى الأعداء. وهي، بفضل مدرجها الرئيسي (طوله نحو ميلين)، من القواعد القليلة في أوروبا المؤهلة لاستقبال القاذفات الأميركية الضخمة مثل ب-52. وقد انطلقت منها بعض هذه الطائرات للمشاركة في حروب أميركا الخارجية، بما فيها تلك التي كانت إيران ولا تزال مسرحاً لها. وحذرت طهران في تموز/ يوليو الماضي من أن أي قاعدة تستخدم في الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها، هي "هدف مشروع" لها.
ترامب وفارّاج ونتنياهو
إن كان هذا يبرر اهتمام واشنطن بالأمر، فهل يعطيها الحق لكي تنافس بريطانيا، التي تعاين الوقائع على الأرض، على تحديد طبيعة "المؤامرة" المفترضة؟ قبل أن تنتهي السلطات البريطانية من استجواب المشتبه بهم، كان الرئيس ترامب قد رفع صوته لترويج نظرية "المؤامرة"، في تصريحات كرّس شطراً منها للتفاخر بالدور الأميركي في الكشف عن خطة استهداف القاعدة. وسارع إلى "توبيخ" لندن بصورة مبطنة حينما أطلقت الشباب الخمسة، الذين وصفهم بـِ "الإرهابيين"، خلافاً لما تمخضت عنه التحقيقات البريطانية، كأن المتهم ليس "بريئاً حتى تثبت إدانته"!
والحق أن ترامب لم يكن الوحيد الذي حاول استغلال الحدث. صديقه، نايجل فارّاج، زعيم حزب الإصلاح وكبير الشعبويين البريطانيين، حذا حذوه عندما ادعى أنه لطالما حذر من تسلل إرهابيين إيرانيين على متن زوارق طالبي اللجوء التي تأتي إلى بريطانيا عبر القنال الإنكليزي. ولعل أمله بأن تنطلي "روايته" على الجمهور قد خاب حين أعلنت السلطات أن جميع المشبوهين بريطانيون.
بنيامين نتنياهو، تفنّن بدوره في الحديث عن يد إسرائيل البيضاء على بريطانيا، التي اعتبرها ناكرة للجميل، إذ زعم أنهم حذروها من "المؤامرة" قبل وقوعها! لكن العقوبات لم تستهدف إسرائيل، بل مستوطناتها. أما بالنسبة إلى "الخدمة" التي تباهى بها هو وغيره، فقد أوضحت الشرطة البريطانية أنها تتلقى دوماً معلومات من مصادر شتى، مؤكدة أنها أمسكت بطرف الخيط هذه المرة بناءً على إفادات وردتها من أفراد عاديين، وليس من جهات استخباراتية. ولئن استبعدت بشكل غير مباشر تسلمها بلاغات من دولة ما، فهي لم تنفِ التعاون مع الأميركيين خصوصاً.
طلاسم "المؤامرة"
هذا لا يبدد الغموض الذي يكتنف الحدث. فلماذا لم تكن هناك أسلحة في حوزة المشبوهين، ولماذا اتصل أحدهم بالشرطة، وكيف أُطلقوا؟ فهل هم لصوص، أو أشخاص أبرياء دُفعوا لتأدية مسرحية الغرض منها اختبار سرعة وكفاءة استجابة السلطات؟ قد يطول انتظار الإجابات لأن التحقيق "معقد وخطير"، بحسب بورنهام، وقد بدأ للتو مرحلة جديدة باحتجاز بريطاني من أصل إيراني، 25 عاماً، الخميس الماضي في لندن بموجب قانون الإرهاب لعام 2006. ومع أنه أُطلق موقتاً، فليس واضحاً ما إذا كان قد أدلى بمعلومات مهمة.
والواقع أن إيران، التي نفت بشدة صحة "اتهام" بورنهام وغيره لها بالتخطيط لـِ "المؤامرة"، لم يُزج بها في الجدال عبثاً. فعدا عن تهديدات حرسها الثوري الموثقة للقواعد "المعادية"، حاولت أجهزتها مراراً ضرب أهداف مختلفة في بريطانيا. وقال كين ماكالوم، رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية (إم أي 5)، إن 20 عملية إيرانية قد أُحبطت في 2025. وتمت إدانة مواطنين يحملان الجنسية الرومانية في حزيران/ يونيو الماضي بمحاولة اغتيال، اتُهمت طهران بتدبيرها، للصحافي الإيراني المعارض بوريا زراعتي في لندن، قبل نحو سنتين.
إلا أن "مؤامرة" الاعتداء على فيرفورد لا تُقارن بسواها. وإن ثبتت، لكانت دليلاً على تنامي قدرات الحرس الثوري، بحيث أصبح قادراً على إيذاء بريطانيا بشكل أشد إيلاماً والوصول إلى نقاط حساسة كانت عصية عليه من قبل، ولتحولت المملكة المتحدة إلى طرف مباشر في النزاع. ومع تزايد خطورة التهديد الذي تمثله إيران، يبدو أن المزيد من التصعيد من جانب بريطانيا وأميركا هو احتمال قوي، سواء تم لأغراض وقائية أو انتقامية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي