افتتاحية ICON NEWS
ليست مشكلة لبنان اليوم في نقص الخطابات، ولا في غياب الطاولات والاجتماعات والوفود، بل في المسافة التي باتت تفصل بين ما يُقال في السياسة وما يحدث على الأرض.
في الجنوب، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية فيما تبقى قرى تحت وطأة النار والتهديد، وأهالٍ ينتظرون العودة والإعمار والأمان. وجاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية لتؤكد حضور مؤسسات الدولة وتمسكها بالأرض، لكن الحضور الرسمي لا يكتمل بالصورة ولا بالكلمات. الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، وإعادة النازحين، وإعمار ما هدمه العدو، وانتزاع الانسحاب من الأرض المحتلة. وقد تزامنت الزيارة نفسها مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، بما يختصر حجم الفجوة بين إعلان السيادة والقدرة على فرضها.
ومن هنا، فإن أي نقاش لبناني حول الاستراتيجية الدفاعية أو مستقبل السلاح يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا جرى وكأن الاحتلال والاعتداءات تفصيل ثانوي. السيادة ليست شعارًا انتقائيًا، ولا يمكن اختزالها بجدل داخلي فيما يحتل العدو أرضًا لبنانية ويمنح نفسه حق القصف والتوغل متى شاء.
كذلك لا يجوز تحويل المفاوضات إلى غاية بحد ذاتها. التفاوض وسيلة، وقيمته بما يحققه للبنان: وقف الاعتداءات، تحرير الأرض، إعادة الأسرى والنازحين، وفتح طريق الإعمار. أما أن تدخل البلاد جولة بعد أخرى بينما تتوسع المطالب الإسرائيلية ويظل الاحتلال قائمًا، فذلك يفرض مراجعة جدية للمسار كله، لا الاكتفاء بإعادة إنتاجه. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، تزداد خطورة أن يتحول لبنان إلى ورقة في الحسابات الداخلية لبنيامين نتنياهو، وهو احتمال بات حاضرًا في القراءات الإسرائيلية واللبنانية معًا.
وفي قلب هذه الصورة الثقيلة، هناك لبناني آخر يخوض حربًا يومية أقل ضجيجًا: حرب المعيشة.
غدًا الإثنين، يُبحث حكوميًا ملف رسم الـ300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، في وقت تتحرك فيه أسواق الطاقة عالميًا على وقع أزمة الديزل واضطراب الإمدادات والإفراج عن احتياطات استراتيجية لاحتواء ارتفاع الأسعار. لكن المواطن اللبناني لا يعنيه كثيرًا ما إذا كانت البراميل خرجت من المخزون الأميركي أو الأوروبي؛ ما يعنيه هو ما سيدفعه عند محطة الوقود صباحًا.
وهنا تحديدًا يظهر الامتحان الاجتماعي للدولة.
لا يجوز أن يتحول اللبناني دائمًا إلى الخزان المالي الأسهل للحكومة. كل رسم على المحروقات لا يبقى على مضخة البنزين؛ ينتقل إلى كلفة النقل والخبز والزراعة والصناعة والمدرسة والسلعة. وحين تبحث الدولة عن الإيرادات من جيب المواطن قبل أن تبحث عن الهدر والامتيازات والمزاريب التي أنهكت المالية العامة، تصبح المعالجة جزءًا من المشكلة.
حتى قانون الانتخابات، على أهميته، يعود إلى طاولة البحث فيما البلاد تقف بين احتمالات التصعيد العسكري وضغط معيشي خانق. ليس المطلوب تعطيل المؤسسات، بل ترتيب الأولويات: الوطن الذي يخسر أرضه أو يهاجر أبناؤه بحثًا عن حياة يمكن احتمالها لن تنقذه هندسة انتخابية مهما كانت متقنة.
لبنان يحتاج اليوم إلى دولة، نعم.
لكن الدولة التي نريدها ليست دولة تستقوي على الداخل وتضعف أمام الاحتلال، ولا دولة تطلب من الجنوبي أن يصمد ثم تتركه وحيدًا تحت النار، ولا دولة تطلب من الفقير تمويل أزماتها من صفيحة البنزين.
الدولة التي تستحق ثقة اللبنانيين هي التي تحمي الأرض قبل أن تنظّر في السيادة، وتحمي الناس قبل أن تفرض عليهم الضرائب، وتفاوض من موقع الحقوق لا من موقع الانتظار.
فالصمود ليس مسؤولية أهل الجنوب وحدهم، والسيادة ليست خطابًا، والوطنية ليست مزادًا.
لبنان كلّه اليوم أمام الامتحان.
والسؤال لم يعد ماذا قالت الدولة، بل ماذا استطاعت أن تحمي، وماذا استعادت، وماذا فعلت كي يبقى اللبناني في أرضه.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :