كتب رشيد حاطوم
في زيارة وصفها النائب أديب عبد المسيح بأنها "تاريخية"، استقبل الشيخ عمر خليل الأيوبي رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل في ددّه، بحضور عدد من المشايخ والفعاليات والمخاتير والمرجعيات الاجتماعية والدينية. واختُتم اللقاء بتسليم الجميّل ما سُمّي "صك مصالحة ومصارحة" قيل إنه قُدّم "نيابة عن الحاضرين وأهلهم في قراهم".
لكن خلف الصورة التذكارية والعناوين الرنانة، تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها.
المصالحة تفترض اعترافًا قبل أن تفترض احتفالًا
قبل الحديث عن "صك مصالحة"، يحق لأبناء الكورة أن يتساءلوا: مصالحة على ماذا؟ ومع مَن؟
فالحزب الذي يُراد له اليوم أن يتسلّم صكوك المصالحة لم يصدر عنه يومًا اعتذار واضح وصريح عن المرحلة السوداء التي شهدتها الكورة إبّان الحرب، عندما خضعت المنطقة لسيطرة عسكرية مارست انتهاكات لا تزال حاضرة في ذاكرة أهلها. يومها جُرّفت منازل، ودُمّرت مساجد وأماكن عبادة في القرى المحمدية، وسقط عشرات الضحايا الذين كان ذنبهم الوحيد انتماءهم الطائفي وهويتهم الدينية، ومن بينهم أبناء بلدة كفريا وغيرها من قرى الكورة.
فالمصالحات الحقيقية لا تبدأ بصكوك رمزية ولا بعدسات الهواتف، بل تبدأ بالاعتراف بالأخطاء واحترام ذاكرة الضحايا والجرأة على قول الحقيقة. أما القفز فوق التاريخ وكأن شيئًا لم يكن، فهو ليس مصالحة، بل محاولة لإعادة كتابة الوقائع بلغة العلاقات العامة.
ومن فوّض الشيخ ليتحدث باسم الطائفة المحمدية؟
السؤال الثاني لا يقل أهمية: من يمثل الشيخ عمر الأيوبي حتى يمنح "صك مصالحة" باسم أبناء القرى والطائفة المحمدية في الكورة؟
فالطائفة المحمدية في الكورة ليست فردًا ولا جمعية ولا ديوانًا. وهي ليست كتلة صامتة يمكن اختصارها بشخص واحد مهما كانت مكانته الاجتماعية أو الدينية. وإذا كان ثمة من يدّعي التحدث باسم الناس، فالتفويض يجب أن يكون واضحًا وصريحًا.
واللافت أن ما جرى يتناقض مع الموقف الذي عبّر عنه رؤساء بلديات ومخاتير وشخصيات تمثل القرى المحمدية، الذين أصدروا بيانًا اعتُبر على نطاق واسع إدانة واضحة لهذا المشهد الاستعراضي وما حمله من إيحاءات سياسية وطائفية لا تعكس حقيقة المزاج العام في المنطقة.
الكورة ليست بحاجة إلى صكوك وحدة
وحدة الكورة لم يصنعها هذا اللقاء، ولا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد.
فالعلاقة بين أبناء الكورة، بمختلف انتماءاتهم الدينية والسياسية، أعمق وأرسخ من أن تختزلها ورقة تُسلّم في مناسبة سياسية. وأهل الكورة هم من تجاوزوا الحرب وجراحها، وهم من أعادوا بناء جسور العيش المشترك بأنفسهم. لقد سامحوا لأنهم يريدون العيش والاستقرار، لكنهم لم ينسوا، ولن ينسوا.
فالفرق كبير بين التسامح وبين محو الذاكرة.
لماذا يثير المشهد كل هذا الاعتراض؟
لأن اللغة السياسية ليست بريئة. فعندما يُستخدم تعبير "صك مصالحة"، تُبنى في ذهن الناس صورة مفادها أن فريقًا يمثل المسلمين وفريقًا يمثل المسيحيين توصلا إلى تسوية تاريخية، وكأن الكورة كانت تعيش انقسامًا يحتاج إلى رعاة وموقّعين لإنهائه.
وهذا ببساطة لا يعكس الواقع.
فالكورة لم تكن تنتظر هذا اللقاء كي تكتشف العيش المشترك، ولم تكن بحاجة إلى وسيط ليعلن انتهاء خصومة لم تكن قائمة أصلًا بين أهلها. أما ما كان قائمًا فعلًا فهو ذاكرة حرب ما زالت تحتاج إلى مقاربة أكثر جدية ومسؤولية من توزيع صكوك رمزية أمام الكاميرات.
كلمة أخيرة
إذا كانت الغاية تعزيز الانفتاح والحوار، فأهلًا وسهلًا بكل لقاء يجمع اللبنانيين. أما إذا كان المقصود تسويق انتصارات سياسية رمزية أو اختصار جماعات كاملة بأفراد لم يفوضهم أحد، فإن ذلك لا يخدم لا المصالحة ولا الحقيقة.
وأما لأديب عبد المسيح وسامي الجميّل، فنقول: هكذا لا تُبنى المصالحات الحقيقية، وهكذا لا تُقرأ ذاكرة الناس وكراماتهم. فالكورة التي تجاوزت مآسي الحرب بقوة أهلها ووعيهم ليست بحاجة إلى "صك مصالحة" بقدر حاجتها إلى احترام تاريخها، والاعتراف بآلامها، وعدم التحدث باسم أبنائها من دون تفويض منهم.
فما هكذا تُورد الإبل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :