اتفاق اللجوء عبر المانش.. تجربة ردع مكلفة تنتهي بأزمة بين باريس ولندن

اتفاق اللجوء عبر المانش.. تجربة ردع مكلفة تنتهي بأزمة بين باريس ولندن

بعد 423 يوماً من التجربة، أغلقت فرنسا وبريطانيا ملف اتفاق "واحد مقابل واحد" لتبادل طالبي اللجوء عبر المانش، من دون أن يحقق البرنامج هدفه الأساسي في ردع عبور القوارب الصغيرة. 

 
وسمح الاتفاق بإعادة طالب لجوء وصل إلى بريطانيا بصورة غير نظامية إلى فرنسا، مقابل استقبال شخص آخر موجود على الأراضي الفرنسية بطريقة قانونية، لكن عدد العمليات لم يتجاوز نحو 1500 في كل اتجاه، مقابل هدف معلن بلغ 2600 عملية.
 
وأعلنت وزارة الداخلية البريطانية، في 30 سبتمبر الماضي، عدم فتح ملفات جديدة مع انتهاء الاتفاق في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، وبينما قالت لندن إن التجربة حققت بعض النجاح وإن أعداد القادمين بالقوارب منذ بداية العام انخفضت بأكثر من 40% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، ترى فرنسا أن الصيغة الثنائية حمّلتها عبئاً لا يمكن أن تتحمله وحدها. 
 
أما المنظمات الحقوقية فتعتبر أن الصفقة حولت طالبي الحماية إلى أرقام في عملية المقايضة، وتسببت في أضرار نفسية وجسدية لمن أعيدوا إلى فرنسا.
تجربة لم تبلغ "الوتيرة المأمولة"
وأطلقت حكومة رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر الاتفاق في يوليو 2025 بوصفه أداة لردع المهربين وتقليص الرحلات الخطرة. وكان منطق الصفقة بسيطاً ظاهرياً: "كل شخص يُعاد إلى فرنسا يقابله قبول طالب لجوء آخر من فرنسا بصورة قانونية في بريطانيا".
 
لكن الحصيلة بقيت محدودة، فبحسب "لوموند" الفرنسية و"الغارديان" البريطانية، أعيد نحو 1500 طالب لجوء إلى فرنسا، بينما نُقل العدد نفسه تقريباً إلى بريطانيا عبر مسار قانوني. وخلال الفترة التي استمر فيها الاتفاق، وصل أكثر من 40 ألف شخص إلى بريطانيا على متن قوارب صغيرة، ما جعل عدد الإعادات ضئيلاً مقارنة بحجم الظاهرة.
 
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن مصادر حكومية بريطانية، قولها إن الاتفاق "لم يصل إلى الوتيرة المأمولة". كما أقرت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود بأن إدارة عدد كبير من عمليات الإبعاد أسبوعياً كانت من أصعب جوانب البرنامج.
 
لماذا تخلت باريس عن الصيغة؟
ولم يكن القرار البريطاني وحده وراء نهاية الاتفاق؛ فقد رأى وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن بلاده لا ينبغي أن تتحمل وحدها مسؤولية استقبال القادمين المعادين من بريطانيا، داعياً إلى إدراج الملف في اتفاق أوسع بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
وتكشف هذه المواقف أن الخلاف لا يتعلق فقط بعدد عمليات التبادل، بل بتوزيع المسؤولية، ففرنسا تستقبل المهاجرين على ساحل المانش، وتتحمل جزءاً كبيراً من عمليات الإنقاذ والرقابة والإيواء، بينما تريد بريطانيا نتائج سريعة على حدودها. ولم توافق دول أوروبية أخرى على الانضمام إلى الصيغة، ما أبقى الاتفاق محصوراً في علاقة ثنائية هشة.
 
كما أن تراجع العبور لا يمكن نسبته بالكامل إلى الاتفاق؛ فقد أشارت "الغارديان" إلى أن انخفاض الهجرة غير النظامية إلى أوروبا عموماً ربما ساهم في تقليص عدد القادمين إلى بريطانيا، فيما أعلنت لندن وصول 19,196 شخصاً منذ بداية 2026 حتى الأول من أكتوبر، بانخفاض يتجاوز 40% عن الفترة نفسها من العام السابق.
 
انتقادات حقوقية 
وواجه الاتفاق منذ بدايته انتقادات حادة من منظمات الدفاع عن حقوق المهاجرين، ووصفته منظمة أطباء بلا حدود بأنه "مقايضة مهاجرين مخزية"، مؤكدة أن له آثاراً بالغة الضرر على مئات الأشخاص، ودعت إلى عدم تكراره مع فرنسا أو تحويله إلى نموذج لاتفاق أوروبي أوسع.
 
أما منظمة ميديكال جاستس (Medical Justice) البريطانية، فقالت إن طالبي اللجوء المعادين تعرضوا لصدمات، وإن كثيراً منهم من الناجين من الاتجار بالبشر أو التعذيب.
وبحسب بيانات حصلت عليها المنظمة عبر قانون حرية المعلومات، استُخدمت القوة ضد شخص من كل عشرة ضمن 224 طالب لجوء أُعيدوا إلى فرنسا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026. كما وثقت "أطباء بلا حدود" ومنظمة ساموسوسيال (Samusocial) الفرنسية إصابات جسدية ونفسية بين العائدين.
 
وتقول "الغارديان" إن بعض من أعيدوا رجعوا لاحقاً إلى بريطانيا، بينما اختفى آخرون بعد وصولهم إلى فرنسا. وذكر طالبو لجوء أنهم تعرضوا لتهديدات من مهربين بسبب ديون مترتبة عليهم، وخشوا إعادتهم إلى بلدانهم أو إلى دول أوروبية مروا بها خلال الرحلة. 
الأزمة مستمرة
تزامنت نهاية الصفقة مع استمرار المخاطر البحرية، فقد توفي 22 شخصاً منذ بداية 2026 أثناء محاولات العبور غير النظامي، مقابل 31 وفاة في 2025 و78 وفاة في 2024، وفق أرقام نقلتها "انفو ميغرون" عن تقرير برلماني فرنسي. وتحذر المنظمات من أن تشديد السياسات قد يدفع المهاجرين إلى طرق أخطر، مثل الانطلاق من بلجيكا أو استخدام قوارب أكثر اكتظاظاً.
 
وبذلك لا تبدو نهاية "واحد مقابل واحد" حلاً للأزمة، بل اعترافاً بفشل صيغة لم تحقق الردع المطلوب ولم تحظَ بقبول أوروبي أوسع، وستبحث لندن عن مراكز إعادة أو اتفاقات مع دول ثالثة، بينما ستضغط باريس من أجل إطار أوروبي مشترك. 
 
غير أن أي بديل سيظل معرضاً للفشل ما لم يجمع بين ضبط الحدود، وتوزيع المسؤولية، واحترام حق طلب الحماية، بدل الاكتفاء بتبادل الأشخاص بين ضفتي المانش.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي