موازنة تحت نار المنطقة… لبنان يحتاج قرارًا يحميه

موازنة تحت نار المنطقة… لبنان يحتاج قرارًا يحميه

ايكون نيوز

تدخل الحكومة اللبنانية مرحلة اختبار سياسي ومعيشي بعد إقرار مشروع موازنة 2027. فاحترام المهل الدستورية واجب، لكن الإنجاز الذي ينتظره اللبنانيون أعمق من انتظام الأوراق: دولة تحمي أرضها، وتصون حقوق مواطنيها، وتمنع تحويل أزماتهم إلى أعباء دائمة يدفعونها من أجورهم ومدّخراتهم ومستقبل أولادهم.

أقرّت الحكومة تعديلات على بدل النقل وإجراءات لدعم السائقين العموميين والتعويضات العائلية. وهي خطوات تحتاجها الفئات المتضرّرة، لكنها تطرح سؤالًا سياسيًا لا يجوز الهروب منه: إلى متى يبقى المواطن يلاحق الأسعار بتعويضات، فيما تتأخر معالجة أسباب استنزاف دخله؟ وأين الخطة التي تربط الأجور بالنقل العام والكهرباء والخدمات، وتوزّع كلفة الأزمة وفق المسؤولية والقدرة على تحمّلها؟

الموازنة تكشف خيارات الحكم: مَن يُطالَب بالدفع، ومَن تُحمى مصالحه، وأي قطاعات تحصل على الأولوية. لذلك فإن مناقشتها في مجلس النواب يجب أن تفتح الحساب على العدالة الضريبية والإنفاق والخدمات. لا يجوز أن تصبح المحافظة على التوازن المالي ذريعة لتثبيت اختلال اجتماعي يتحمّل فيه أصحاب الدخل المحدود النصيب الأثقل.

وفي الطاقة، وافقت الحكومة على مشروع تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز طبيعي في دير عمار بالشراكة مع القطاع الخاص. الحكم على هذا المشروع يبدأ من شروطه: شفافية التمويل والتلزيم، وضمانات التنفيذ، والكلفة التي ستصل إلى فاتورة المواطن. اللبنانيون يحتاجون كهرباء موثوقة، ويستحقون أن يعرفوا كيف ستُدار أموالهم قبل أن يُطلب منهم تمويل وعود جديدة.

وتزداد مسؤولية الحكومة مع بقاء النفط فوق مئة دولار للبرميل في التداولات الصباحية. فاستمرار ارتفاع الطاقة قد يضغط على النقل والتدفئة والزراعة والإنتاج. ومع اقتراب الشتاء، يصبح الاستعداد واجبًا عاجلًا: حماية الأسر الأكثر حاجة، ومراقبة السوق، ودعم قدرة المزارعين على تصريف محاصيلهم. الانتظار حتى تتفاقم الأزمة قرار سياسي أيضًا، وكلفته تقع على الناس.

أما جنوبًا، فالاختبار أكبر من زيارة رسمية أو خطاب تضامن. الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة إلى النبطية يجب أن تتبعها التزامات قابلة للقياس، في الخدمات والإعمار ودعم المؤسسات المحلية. أهل الجنوب يحتاجون دولة تحمل معهم عبء الصمود، وتدافع عن حقهم في أرضهم وعودتهم وأمنهم.

وهنا ينبغي أن يكون الموقف اللبناني واضحًا: الاحتلال مسؤول عن اعتداءاته، ووقفها التزام يجب المطالبة بتنفيذه. إن تحميل لبنان وحده شروط الاستقرار، فيما يستمر الضغط العسكري الإسرائيلي، يخلّ بميزان المسؤولية ويمنح المعتدي مساحة إضافية لفرض مطالبه.

التفاوض أداة لاستعادة الحقوق، وصدقيته تُقاس بنتائجه: وقف الاعتداءات، والانسحاب، وعودة الأهالي، وإطلاق الأسرى. وأي نقاش في الخيارات الدفاعية يجب أن ينطلق من الخطر الإسرائيلي الفعلي، ومن حق لبنان في حماية نفسه، ومن حوار وطني يصون وحدته. المقاومة لا تُختزل في بند على جدول مطالب خارجية؛ فهي جزء من قضية الدفاع عن الأرض، والتعامل مع هذه القضية يحتاج مسؤولية وطنية تحمي البلد من العدوان والانقسام معًا.

إقليميًا، يأتي تمسّك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالحوار وسط توتر مستمر. لكن إعلان الاستعداد للتفاوض لا يعني أن التسوية تحقّقت، ولا يسمح للبنان بتعليق قراره على انتظار تفاهمات الآخرين. عليه أن يحدّد مصالحه بوضوح، ويحصّن موقفه الداخلي، ويطالب كل جهة تتحدث عن دعمه بأن يترجم هذا الدعم إلى حماية ملموسة لحقوقه.

وفي العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية، يبقى الإصلاح ضرورة لبنانية قبل أن يكون مطلبًا خارجيًا. ومعناه يبدأ بتحديد المسؤوليات عن الخسائر، وحماية حقوق المودعين، ومنع تحميل المجتمع كلفة أخطاء لم يصنعها. استعادة الثقة تتطلّب عدالة ومحاسبة، وأي معالجة تتجاوزهما ستعيد إنتاج الأزمة بأسماء وقوانين جديدة.

لبنان يحتاج اليوم إلى سلطة تملك شجاعة القرار: تفاوض على الحقوق بثبات، وتواجه الاحتلال بموقف وطني متماسك، وتصلح الاقتصاد من دون التضحية بأصحاب الحقوق. فالناس الذين تحمّلوا الخسارة والخوف والغلاء يستحقون حكومة تجعل أمنهم وكرامتهم أساس سياستها، وتقبل أن تُحاسَب على ما تنفّذه.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي