لبنان على حافة الخيارات الكبرى: دولة تُجيد الخطابة… ومقاومةٌ تُعيد تعريف معنى الصمود

لبنان على حافة الخيارات الكبرى: دولة تُجيد الخطابة… ومقاومةٌ تُعيد تعريف معنى الصمود

خاص ICON NEWS 

بين هرمز وتامبا: وقت المنطقة ينفد، وفرصة الدولة لا تزال قائمة

 

يطلّ الأول من تشرين الأول على منطقةٍ معلّقة بين حربٍ لم تُحسم وتسويةٍ لم تكتمل. وما يجمع الساحات الثلاث، المحلية والإقليمية والدولية، أنها تتحرك على إيقاعٍ واحد: مفاوضاتٌ تدور تحت النار، وكل طرفٍ يسعى إلى تثبيت ترتيب الخطوات قبل أن يقدّم أي تنازل.

 

وفي قلب هذه العقدة، يقف لبنان أمام سؤالٍ لم يعد يحتمل التأجيل: ما دور المقاومة في دولةٍ تتشكّل ملامحها من جديد؟ فبين هرمز وتامبا، ينفد وقت المنطقة، وفرصة الدولة لا تزال قائمة، لكنها فرصةٌ لا يمكن أن تُبنى إلا على فهمٍ دقيق لدور المقاومة، لا على تجاهلها أو تجاوزها.

 

أولاً: الإقليم، هرمز طريقٌ مسدود والوقت يعمل ضدّ طهران

 

دخل الصراع بين واشنطن وطهران شهره السابع، وبقي مضيق هرمز، شريان النفط العالمي، في قلب نزاعٍ بلغ طريقاً مسدوداً. وعلى هامش الأمم المتحدة، قدّمت إيران بوساطةٍ قطرية خطةً من سبعة أيام، تقضي بوقف التصعيد على كل الجبهات بما فيها لبنان، والإفراج عن أصولٍ مجمّدة، ورفع أو تعليق العقوبات على النفط، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، على أن يُعاد فتح المضيق في اليوم السابع وتبدأ مفاوضاتٌ شاملة حول النووي.

 

وقد تلقّت طهران الردّ الأميركي هذا الأسبوع في الدوحة. والخلاف الرئيسي، بحسب مسؤولٍ مطّلع، يتعلق بتسلسل الخطوات لا بجوهر الخطة. وتتضارب الروايات: تقارير تتحدث عن رفض الرئيس ترامب للمقترح وترجيحه استئناف الضربات بعد انتخابات التجديد النصفي، في مقابل قول مسؤولٍ أميركي إن المحادثات عبر الوسطاء إيجابية وبنّاءة. والخلاصة أن الأزمة تُدار بالمهل والرسائل أكثر مما تُحسم بالقرارات.

 

القراءة الأعمق: إيران تدرك أن الوقت ليس في صالحها. اقتصادها المنهك، وضغوط العقوبات، واحتمال تفويضٍ أوسع لترامب بعد الانتخابات. لذلك تسعى إلى تثبيت مكاسب ميدانية عبر التفاوض قبل أن تتغير المعادلة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يعني ذلك للمقاومة في لبنان؟ وهل يمكن لإيران أن تُفاوض على لبنان دون أن يكون لبنان، ومقاومته، حاضراً بقوة على الطاولة؟

 

ثانياً: المقاومة، لماذا لا يمكن تجاوزها في أي معادلة؟

 

أ. من منبرٍ واحد إلى طاولة العالم

 

قبل أن تدخل إيران على خط التفاوض، وقبل أن يستأنف مسار تامبا، كانت المقاومة وحدها في الميدان. لم يكن هناك مجتمع دولي يلتفت إلى لبنان، ولا وسطاء يتحركون، ولا خطط من سبعة أيام. كان هناك قصفٌ يومي، وتهجير، وقتل، وصمودٌ في الجنوب جعل العالم يدرك أن هذا البلد الصغير قادر على أن يفرض نفسه على أجندة القوى الكبرى.

 

في خطابه الأخير، قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن إيران هي التي أوقفت التصعيد، وإن وثيقة التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة هي التي قلّصت التصعيد. قد يقرأ البعض هذه العبارة كدليل تبعية، لكن قراءةً أدقّ تقول شيئاً آخر: الولايات المتحدة لم تكن لتتفاوض مع إيران على لبنان لو لم يكن هناك من يصمد في الجنوب. الصمود هو الذي خلق ورقة التفاوض. والصمود هو الذي جعل لبنان، لا إيران وحدها، حاضراً على الطاولة.

 

ب. الحفاظ على الأرض ليس ما عملنا من أجله

 

هذه العبارة، التي قالها قاسم في خطابه، يقرأها البعض كاعترافٍ بالانسحاب. لكن قراءةً أخرى تقول: المقاومة لم تكن يوماً جيشاً نظامياً يحمي حدوداً جغرافية، بل قوةً تُفشل أهداف العدو. وهدف إسرائيل لم يكن احتلال الأرض، بل كسر المقاومة وإقامة مستوطنات. وهذا ما فشلت فيه. فشلت في كسر الحزب، وفشلت في إقامة مستوطنات، وفشلت في فرض وصايةٍ كاملة على لبنان.

 

في خطابه، كشف قاسم عن تكتيكاتٍ ميدانية: بعد صمودٍ ثلاثة أشهر في تلال علي الطاهر، انتقل المقاتلون إلى سياسة الهجوم والانسحاب بالتناوب. هذه ليست هزيمة، بل استراتيجية استنزافٍ طويلة النفس. والمقاومة التي تُجيد الانسحاب التكتيكي ليست مقاومةً منهزمة، بل مقاومةً تُدير معركةً غير متكافئة بذكاء.

 

ت. لبنان بلا مقاومة يُمحى

 

هذه العبارة ليست شعاراً، بل قراءة في التاريخ. لبنان الذي دخلته إسرائيل عام 1982 لم يكن ليطردها أحدٌ لولا المقاومة. ولبنان الذي كان يُفاوض من موقع الضعف قبل 2000 لم يكن ليحرّر أرضه لولا المقاومة. والمقاومة التي تُهدّد اليوم بالحرب الأهلية، كما يقول خصومها، هي نفسها التي منعت لبنان من أن يصبح محميةً أميركية أو مستعمرةً إسرائيلية.

 

قاسم حذّر من أن العدو يريد حرباً أهلية وضمّ لبنان للوصاية الأميركية. هذا التحذير ليس ترفاً خطابياً، بل قراءةٌ في نوايا إسرائيل التي لم تُخفِ يوماً رغبتها في إعادة رسم الشرق الأوسط. والمقاومة، بكل ما تحمّله الشعب من أجلها، هي التي أبقت لبنان على الخريطة.

 

ث. الثمن والمكسب

 

نعم، الثمن باهظ: أربعة آلاف شهيد، واثنا عشر ألف جريح، وسبعةٌ وعشرون مليار دولار دمار. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح: ماذا كان سيكون الثمن لو لم تقاوم؟ الجواب: لبنان كان سيصبح غزة ثانية، أو أسوأ. والمقاومة، بكل ما تحمّله الشعب من أجلها، هي التي أبقت لبنان على الخريطة.

 

الخبير العسكري العميد المتقاعد سعيد قزح يقدّم قراءةً صادمة: ما زالت لدى حزب الله قوة عسكرية تستطيع أن تُرهب الداخل اللبناني، أما ضد إسرائيل فليس لديه أي قدرة على الصمود. هذا رأيٌ يستحق النقاش، لكنه لا يجيب على سؤالٍ أبسط: إذا كانت المقاومة قد فقدت قدرتها على الصمود، فلماذا لا تزال إسرائيل تُفاوض؟ لماذا لا تزال واشنطن تُرسل مبعوثيها؟ لماذا لا يزال مسار تامبا قائماً؟ الجواب: لأن المقاومة، حتى في أضعف حالاتها، لا تزال ورقةً لا يمكن تجاوزها.

 

ج. السؤال الذي لا يجيب عليه أحد

 

إذا كانت المقاومة عبئاً، كما يقول خصومها، فلماذا لم يطرح أحدٌ بديلاً؟ لماذا لا توجد استراتيجية دفاعية وطنية غير المقاومة؟ لماذا لا يملك الجيش اللبناني القدرة على حماية الجنوب؟ الجواب: لأن البديل غير موجود. ومن ينتقد المقاومة عليه أن يقدّم بديلاً، لا أن يكتفي بالانتقاد.

 

الدولة التي تُفاوض اليوم في تامبا لم تكن لتصل إلى طاولة المفاوضات لولا أن هناك من قاتل في الجنوب. والمقاومة التي يُقال إنها دولة داخل دولة هي نفسها التي جعلت لبنان دولةً على الخريطة، لا ساحةً تُقسم.

 

ثالثاً: لبنان، دولةٌ تفاوض وأرضٌ تُقصف

 

أ. تامبا، جولة المفاوضات المرتقبة

 

على الأرض، لا تهدأ الجبهة الجنوبية. فقد أعلنت القناة 12 العبرية أن الجيش الإسرائيلي سيدخل مرحلةً جديدة من القتال في الجنوب خلال الأيام المقبلة. وفي المسار السياسي، تفيد المعلومات بأن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعايةٍ أميركية ستستأنف في تامبا قبل الانتخابات الإسرائيلية، ويُرجَّح أن تكون الجولة في العشرين من تشرين الأول برئاسة السفير سيمون كرم.

 

ب. ثوابت لبنان على منبر الأمم المتحدة

 

وقد وضع رئيس الحكومة نواف سلام ثوابت بلاده على منبر الأمم المتحدة: سيادةٌ تقتضي انسحاب إسرائيل من كل الأراضي المحتلة وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. والمسألة هنا أن لبنان لا يملك ترف انتظار نتائج الحوار الأميركي الإيراني. فالخطة الإيرانية تُدرج لبنان بنداً في صفقةٍ أوسع، بينما يصرّ الرئيس جوزاف عون على أن المفاوضات الثنائية منفصلة عن أي مفاوضاتٍ أخرى.

 

ت. اختبار السيادة الحقيقي

 

وهنا اختبار السيادة الحقيقي: أن يبقى القرار اللبناني في يد الدولة، لا على طاولة المقايضات. فلبنان الذي يريد أن يكون دولةً لا ساحة، عليه أن يثبت أن قراره مستقل، وأن مصالح شعبه أولوية، وأن التفاوض لا يعني الخضوع.

 

لكن المعادلة معقدة: الدولة تفاوض، والمقاومة تُقصف. الجيش الإسرائيلي لا يفرّق بين لبنان وحزب الله في عملياته. وفي 2 آذار، أصدر مجلس الوزراء اللبناني قراراً بحظر النشاطات العسكرية لحزب الله وإلزامه بتسليم سلاحه، معتبراً أن إطلاق الصواريخ يتناقض مع حصر قرار الحرب والسلام بالدولة اللبنانية. هذا القرار، الذي وُصف بأنه الخطيئة من قبل الحزب، يضع الدولة والمقاومة في مواجهةٍ مباشرة حول من يملك قرار الحرب.

 

ث. إسرائيل تُجمّد الحقائق على الأرض

 

الأخطر أن إسرائيل لا تنتظر نتائج المفاوضات. تقارير ميدانية تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يعمل على فرض أمرٍ واقعيٍّ في الجنوب: إنشاء نقاط مراقبة محصّنة، وتثبيت وجودٍ عسكريٍّ في مناطق محددة، ومنع عودة سكانٍ إلى قرى حدودية. هذه الاستراتيجية، التي يمكن تسميتها التجميد الجغرافي، تعني أن أي اتفاقٍ سياسيٍّ لاحق سيجد نفسه أمام خريطةٍ جديدة على الأرض، لا أمام الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب.

 

رابعاً: العالم، منهَكٌ ينتظر

 

في أوكرانيا، قدّر رئيس الوزراء كلفة الحرب هذا العام بنحو 155 مليار دولار، مع فجوةٍ تمويلية قدرها 27 مليار دولار. وفي التجارة، تلاشت أوهام الحسم: فبعد أن ألغت المحكمة العليا الأميركية الرسوم الجمركية العالمية في شباط، لجأ ترامب إلى مسارات تحقيقٍ تقليدية أبطأ. والأسواق تخشى أن تُبقي الحرب والتضخم الفائدة مرتفعة، إذ حذّر بنك أوف أمريكا من رفعها فوق خمسة في المئة.

 

ما يعنيه ذلك للبنان: العالم لم يعد يحتمل حرباً طويلة أخرى، لكنه أيضاً لا يملك آليةً لوقفها. والمقاومة التي تراهن على وحدة الساحات قد تجد نفسها أمام ساحاتٍ لم تعد متحدة، لكنها، في المقابل، لا تزال القوة الوحيدة القادرة على فرض شروطها في أي تسوية.

 

خامساً: حكومةٌ تُحسن الشرح وتتأخر في الفعل

 

أ. الكهرباء، موازنة على سعرٍ لم يعد موجوداً

 

بنت مؤسسة كهرباء لبنان موازنتها لهذا العام على سعر ديزلٍ يقارب 680 دولاراً للطن، فيما اقترب السعر العالمي من 1500 دولار، وكانت مناطق، منها طرابلس، تتلقى نحو ساعتين من التيار يومياً. وكان الوزير قد حقق في شباط تحسناً إلى سبعٍ وتسع ساعات، ثم انتكس. فأين كانت خطة الطوارئ؟ دولةٌ تعرف أن اقتصادها رهينة الوقود المستورد، وأن حرباً تدور عند أهم ممرات الطاقة، ثم تُفاجأ بارتفاع الأسعار، فهذا ليس سوء حظٍ بل سوء إدارة.

 

ب. الودائع، عام ونصف بلا قانون

 

مرّ عامٌ ونصف على حكومة الإصلاح، وقانون الفجوة المالية لا يزال معلقاً. وجواب رئيس الحكومة أمام النواب أنه لن يستردّ المشروع ويقبل مناقشة التعديلات، وأن اتفاقاً مع صندوق النقد خيارٌ أساسي. هذا كلامٌ يصلح لبيان نياتٍ لا لإنقاذ مودعين أفنوا أعمارهم.

 

ت. الحرب، أرقامٌ تنتظر خطة

 

اعترف رئيس الحكومة بحصيلةٍ ثقيلة: نحو أربعة آلاف شهيد واثني عشر ألف جريح ودمارٍ يُقدَّر بسبعةٍ وعشرين مليار دولار. هذه أرقامٌ تستوجب خطة إيواءٍ وإعمارٍ واضحة الجدول والتمويل، فيما يستهلك بند الرواتب أكثر من نصف الموازنة. وبين نازحٍ وعائدٍ إلى أرضٍ مدمرة، تنتظر الحكومة نتائج مفاوضات الآخرين.

 

ث. السلطة بلا مساءلة

 

جدّد البرلمان لنفسه في آذار بذريعة الحرب، ونالت الحكومة الثقة للمرة الثالثة بأغلبيةٍ ضئيلة، وطُويت فكرة التعديل الوزاري. وبذلك توافقت السلطتان على أن الحرب تعفي من الحساب. لكن الحرب لا تعفي وزيراً من خطة طوارئ ولا حكومةً من جدولٍ زمني معلن.

 

ج. حق الرد، ومن الإنصاف إيراده

 

تقول الحكومة وحلفاؤها إن الأزمة إرث عقدين من المحاصصة والسلاح خارج الدولة. وهذا صحيحٌ في جانبٍ منه، فالانهيار لم يولد في عهد هذه الحكومة. لكن الإرث يفسّر الأزمة ولا يبرر التعثر. ومن تسلّم الحكم بوعد الإنقاذ لا يحق له أن يظل يشير إلى من سبقه وقد صار هو من يدير الأمر.

 

خاتمة

 

ثلاث دوائر وعقدة واحدة: ممرٌّ مائيٌّ ضيق يقرر أسعار الطاقة وسقف الحرب وحدود التسوية. وفي قلب هذه العقدة بلدٌ صغير يحاول أن يتحول من ساحةٍ إلى دولة، ومقاومةٌ أثبتت أن لبنان لا يمكن أن يُفهم من دونها.

 

ولا يملك لبنان أن يتحكم بهرمز، لكنه يملك أن يقرر من يتكلم باسمه، وأن يقدّم لمواطنه ما يملك تقديمه اليوم.

 

أما المقاومة، فالسؤال الذي تواجهه ليس: هل تقاوم؟ بل: كيف تُترجم صمودها إلى دولةٍ تحمي شعبها، لا إلى ساحةٍ تُدفع فاتورتها من جيوب الناس؟

 

فالمقاومة التي تحمي شعباً لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرتها على حماية الدولة التي يُفترض أنها تمثّل ذلك الشعب. والمقاومة التي جعلت العالم يلتفت إلى لبنان قادرةٌ، إذا أرادت، على أن تجعل العالم يحترم لبنان، دولةً لا ساحة.

 

فلبنان لا يحتاج حكومةً تحسن شرح أسباب العجز، ولا مقاومةً تُجيد الخطابة عن النصر. يحتاج جدولاً واضحاً: متى تعود الكهرباء، ومتى تُردّ الودائع، ومتى يُرمَّم البيت.

 

وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى المواطن يدفع ثمن الخطاب من جيبه، من جيبين: جيب الدولة وجيب المقاومة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي