في فجر 20 مارس/آذار عام 2003، حين أضاءت سماء العاصمة العراقية بغداد ألسنة اللهب المندلعة من أولى رشقات صواريخ "توماهوك"، لم تكن تلك اللحظة إيذانا بسقوط نظام سياسي استبدادي فحسب، بل كانت تدشينا لمغامرة عسكرية عنيفة. فقد اصطدمت واشنطن على أرض العراق بجغرافيا سياسية واجتماعية ضاربة في التاريخ والتعقيد، فتحولت أوهام الحسم السريع إلى مستنقع أمني واستراتيجي مكلف استنزف عقيدة البنتاغون، وبدل توازنات القوى الإقليمية، وربط حاضر العراق ومستقبله بجدلية السيادة الوطنية والوجود الأجنبي لأكثر من ثلاثة وعشرين عاما.
في مطلع عام 2024، أطلق العراق أعمال "اللجنة العسكرية العليا المشتركة" (HMC) مع الولايات المتحدة. وهي اللجنة التي عكفت على مدار شهور من التقييم العملياتي المكثف على مراجعة مستويات الخطر، والجاهزية القتالية والتسليحية للأجهزة الأمنية الوطنية، والبيئة المحيطة.
وتكللت هذه المباحثات بصدور البيان المشترك للجنة العسكرية العليا بين بغداد وواشنطن، وما أعقبه من بيانات صادرة عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي ووزارة الخارجية العراقية، ليُعلن رسميا عن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وانسحاب كافة القوات الأجنبية من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول.
لا يمثل هذا الإعلان مجرد خطوة لوجستية لإعادة تموضع الجنود والمعدات، بل هو انعطافة استراتيجية فارقة تُكرس استعادة الدولة العراقية لسيادتها الكاملة على أراضيها وأجوائها، متوجة مسارا تفاوضيا شاقا نقل العراق من دائرة "الوصاية الأمنية المفروضة" و"الساحة المفتوحة للصراعات" إلى فضاء "الدولة المكتملة الأركان" التي تدير شراكاتها الدولية وفق مصالحها الوطنية العليا وقواعد القانون الدولي.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :