بو صعب وكنعان… عندما يكون الموقف واضحاً هنا ورمادياً هناك

 بو صعب وكنعان… عندما يكون الموقف واضحاً هنا ورمادياً هناك

كتب رشيد حاطوم

 

لم يعد ما يفصل بين نائبي المتن إلياس بو صعب وإبراهيم كنعان مجرد اختلاف في الأسلوب أو في قراءة المرحلة. فالحرب الإسرائيلية على لبنان، ومسار التفاوض، ودور المقاومة، وضعت الجميع أمام امتحان حقيقي فرز المواقف وأظهر من يقف مع شعبه ومن يختار الوقوف خلف السلطة.

 

بو صعب اختار منذ بداية الجولة الأخيرة من الحرب أن يعلن موقفه من إسرائيل والمقاومة بوضوح لا يحتمل التأويل. أما كنعان، فبرز في خطابه الأخير بلغة مختلفة تماماً: دعم رئيس الجمهورية، التفاوض، اتفاق الإطار، الجيش والدولة والسيادة.

 

والفارق بين الخطابين لا يحتاج إلى اجتهاد ولا إلى شرح. يكفي وضع كلام الرجلين أمام الرأي العام.

 

بو صعب: المقاومون يصدّون الاحتلال

 

في 16 حزيران، قال بو صعب بوضوح إن ما يقوم به المقاومون هو صدّ للاحتلال الإسرائيلي، وإن شهداءهم هم شهداء كل لبنان، مؤكداً احترامه لكل شهيد وجريح سقط دفاعاً عن لبنان.

 

لم يضع بو صعب المقاومة في مواجهة الدولة، ولم يجعل دعمه للجيش مدخلاً للتنصل من موقفه تجاه من يواجه إسرائيل.

 

وفي الوقت نفسه، بقي من الداعين إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وتعزيز دور الجيش.

 

أي أنه رسم موقفه على خطين متوازيين: دولة قوية وجيش قوي من جهة، وموقف معلن وصريح إلى جانب من يواجه إسرائيل من جهة أخرى.

 

وهذا تحديداً ما أعطى كلامه وضوحه السياسي ونزاهته الوطنية.

 

كنعان يختار الوقوف خلف الرئيس

 

أما إبراهيم كنعان، فاختار في اللحظة السياسية الراهنة لغة أخرى خالية من أي إشارة إلى مقاومة أو احتلال.

 

فبعد ساعات من تساؤلات بو صعب حول جدوى المسار التفاوضي والنتائج التي حققها، خرج كنعان مشيداً بموقف رئيس الجمهورية جوزاف عون من التفاوض المباشر واتفاق الإطار وتعزيز قدرات الجيش، واصفاً إياه بأنه موقف "دستوري ووطني ومسؤول" والطريق المتاح لاستعادة الاستقرار والدولة والسيادة.

 

ثم ذهب أبعد من ذلك عندما دعا من يملك حلاً عملياً آخر إلى وضعه على الطاولة، وإلا "فليقف خلف رئيس الجمهورية ويدعم موقفه، رأفة بالناس والوطن".

 

هنا ظهر التباين بجلاء.

 

بو صعب يسأل عن نتيجة التفاوض ويصر على أن بناء الدولة لا يختصر بملف السلاح، فيما يدعو كنعان إلى الالتفاف خلف خيار رئيس الجمهورية إذا لم يُطرح بديل عملي.

 

من المقاومة إلى التفاوض… لغتان مختلفتان

 

في خطاب بو صعب، حضرت المقاومة بالاسم، وحضر الاحتلال بالاسم، وحضر شهداء المواجهة مع إسرائيل بالاسم.

 

وفي خطاب كنعان الأخير، تتصدر مفردات الدولة والجيش والتفاوض واتفاق الإطار والسيادة، بينما غابت المقاومة والاحتلال والشهداء كأن شيئاً لم يكن.

 

وهذه ليست مسألة لغوية عابرة.

 

فالسياسة، وخصوصاً في زمن الحرب، تُقرأ من المفردات التي يختار السياسي استخدامها ومن الملفات التي يضعها في مقدمة خطابه.

 

وبو صعب لم يترك جمهوره يبحث عن تفسير لموقفه من المقاومة أو من إسرائيل؛ قال ما يعتقده مباشرة وتحمل مسؤوليته السياسية كاملة.

 

كانوا في مكان واحد

 

المفارقة أن بو صعب وكنعان ليسا ابني تجربتين متناقضتين.

 

الرجلان خرجا من التجربة السياسية نفسها تقريباً، وكانا داخل التيار الوطني الحر وتكتل لبنان القوي، قبل أن تجمعهما لاحقاً مع آلان عون وسيمون أبي رميا تجربة اللقاء التشاوري المستقل.

 

لكن الحرب فرزت المواقف بطريقة أكثر وضوحاً مما كانت عليه سابقاً.

 

بو صعب حافظ على لغة سياسية تتيح له التواصل مع مختلف الأطراف، لكنه لم يجعل هذا التواصل سبباً للتردد أو الغموض عندما وصل النقاش إلى المقاومة وإسرائيل.

 

أما كنعان، فتقدم في الفترة الأخيرة بوصفه واحداً من أبرز المدافعين عن خيارات رئيس الجمهورية ومساره السياسي.

 

كنعان وبعبدا… تقارب يتقدم

 

وفي المتن، لم تمر هذه الحركة السياسية من دون قراءة.

 

فمصادر سياسية متنية تتحدث منذ مدة عن سعي كنعان إلى توثيق علاقته ببعبدا والاقتراب أكثر من الرئيس جوزاف عون، وهو تقارب تعكسه أيضاً مواقفه السياسية العلنية الداعمة للرئيس.

 

وبحسب معلومات سبق أن نشرها أحد المواقع، وصل الأمر إلى حديث عن توسيط أحد مستشاري الرئيس لكي يُكلَّف كنعان تمثيل رئيس الجمهورية في مناسبة اجتماعية في المتن.

 

وتضع مصادر متنية هذه الواقعة، إذا صحت تفاصيلها كما نُشرت، في سياق أوسع من إعادة التموضع السياسي، وليس في إطار بروتوكولي منفصل.

 

صور الزفت

 

أما داخل التيار الوطني الحر، فيذهب بعض خصوم كنعان أبعد من ذلك.

 

مصدر في التيار اختصر نظرته الساخرة إلى الأداء السياسي والإنمائي لكنعان بالقول إنه "يهوى الصور إلى جانب زفت وزارة الأشغال".

 

قد تكون العبارة قاسية، لكنها تعبّر عن خصومة سياسية قائمة داخل البيئة التي خرج منها كنعان، وتختصر الانتقاد الذي يوجهه خصومه إلى تركيزه على الحضور الإعلامي المرتبط بالمشاريع الإنمائية.

 

لكن الطرق المعبدة والصور إلى جانب المشاريع شيء، والموقف السياسي في لحظة وطنية مفصلية شيء آخر تماماً.

 

المتن أمام صورتين سياسيتين

 

اليوم تبدو أمام ناخب المتن صورتان مختلفتان جذرياً.

 

إلياس بو صعب يقول علناً إن المقاومين يصدّون الاحتلال، ويعتبر شهداءهم شهداء لبنان، وفي الوقت نفسه يدعو إلى الدولة والجيش ويسأل عن جدوى التفاوض عندما لا يرى نتائج كافية.

 

وإبراهيم كنعان يضع ثقله السياسي خلف رئيس الجمهورية، ويدافع عن مسار التفاوض واتفاق الإطار، ويدعو الآخرين إلى الالتفاف خلف الرئيس ما لم يقدموا بديلاً عملياً.

 

لا حاجة إلى تحميل الرجلين مواقف لم يقولاها.

 

كلامهما يكفي.

 

ولا حاجة أيضاً إلى البحث عن الاختلاف تحت الطاولة، لأن الاختلاف بات فوقها.

 

وفي زمن الحرب، عندما تُقصف قرى الجنوب ويُستهدف الجيش ويُقتل المدنيون، يصبح وضوح الموقف السياسي جزءاً أساسياً من مسؤولية النائب أمام ناخبيه.

 

فالسياسة ليست صورة في مناسبة، ولا وقوفاً إلى جانب مسؤول، ولا شريطاً يُقص فوق طريق معبدة.

 

السياسة، عندما تصبح البلاد أمام امتحان، هي أولاً وقبل كل شيء موقف.

 

والمواقف الواضحة لا تحتاج إلى مترجم.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي