كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
أيها القوميون الاجتماعيون،
لا أكتب إليكم اليوم بحبر السياسة، ولا بميزان الحسابات، ولا بمنطق المواقع والكراسي. أكتب إليكم من مكانٍ أشدّ إيلاماً وأصدق حضوراً: من حيث يجرحنا الجميع سراً، ومن حيث نخجل من أنفسنا أمام مرآة التاريخ. أكتب إليكم من قلب النهضة... ذلك القلب الذي كان ينبض بنا جميعا، قبل أن يمزّقناه بأيدينا.
لم آتِ لأحاسب أحداً، ولم آتِ لأدين فريقاً أو أبرئ غيره. جئتُ لأنقل لكم صوتاً لم يعد يحتمل الصمت: صوت أمةٍ تتألم بصمت، وصوت ضميرٍ نهضويٍّ يئنّ تحت ثقل الانقسام.
عودوا إلى قسمكم. ولا أقول لكم: عودوا إلى سعاده. بل أقول لكم، بكلماتٍ أرجو أن تخترق الصدور: تقدّموا نحوه.
فسعاده لم يكن تمثالاً نتبارك بظله، ولا ذكرى نستحضرها في المناسبات ثم ننساها في الغرف المغلقة. سعاده كان فكرةً تسبق عصرها، وروحاً ترفض السكون. والألم الأكبر ليس في أننا ابتعدنا عنه جسدياً، بل في أننا ابتعدنا عن جوهر رسالته بينما نظن أننا ما زلنا نحمله على أكتافنا. تقدّموا نحوه، لا لتقدسوا الرجل، بل لاستعيدوا إنسانيتكم التي ضاعت في متاهة الخلافات.
واسألوا أنفسكم، وأنتم واقفون أمام هذا المشهد المؤلم: لو وقفنا اليوم أمام قسمنا، لا أمام بعضنا البعض، ماذا سنقول؟ بماذا نجيب أمةً تنزف دماً وعرقاً ودموعاً، فيما أبناؤها يتقاتلون على فتات السلطة؟
انظروا إلى الشام. إلى سوريا التي كانت حضارةً فصارت جرحاً مفتوحاً. انظروا إلى أطفالها الذين ولدوا ليحملوا السلاح بدل الدفاتر، وإلى كبارها الذين دفنوا أحلامهم تحت الركام. انظروا إلى فلسطين، تلك الأرض المقدسة التي تحوّلت إلى مقبرة للأحلام ومحرقة للأمل. انظروا إلى لبنان، وطني الحبيب، الذي أصبح أسيراً لحزبه وقطاعاته، وجنوبه الذي يدفع الثمن باهظاً بينما نخوض معاركنا الكلامية في الداخل.
ثم انظروا إلى أنفسكم. هل يليق بنا، نحن الذين رفعنا راية "المجتمع معرفة والمعرفة قوة"، أن نكون مشغولين بسؤال: من جلس على الكرسي؟ ومن حُرِم منه؟ هل هذه هي النهضة التي حلمنا بها؟ أم أننا حولناها إلى بازار للمزايدات، وساحة لصراعات الأنانيات؟
الخطر الحقيقي ليس في وجود خلاف، فالخلاف طبيعي في أي جماعة حية. الخطر هو أن تتحول المؤسسة من وسيلة لحماية القضية إلى غاية بذاتها. أن يكبر الخلاف حتى يحجب عنا وجه الأمة نفسها. أن ننسى أن الرفيق الذي نختلف معه اليوم، هو نفسه من شاركنا الخبز والملح والغربة والسجن يوماً ما.
يا رفقائي، لست أنا من يناشدكم. أنا فقط الصوت الذي يخرج من حلق مخنوق بالمشهد. أما النداء الحقيقي، فهو نداء أمتكم.
يناديكم الطفل السوري الذي فقد بيته، ويسأل: أين قوميتي؟ تناديكم الأم الفلسطينية التي تنتظر ابنها خلف الأسوار، وتسأل: هل نسيتونا؟ يناديكم المزارع اللبناني الذي هاجر بحثاً عن لقمة عيش، ويترك أرضه تذبل بلا ماء. يناديكم الشيخ العراقي الذي بقي متشبثاً بأرض آبائه، لأنه لا يعرف وطناً آخر.
هؤلاء لا يعرفون أسماء لجاننا الداخلية. ولا يهمهم من انتصر في الجلسة الأخيرة. هم يسألون سؤالا واحداً، بسيطاً وقاسياً في آن واحد: أين أصحاب النهضة؟ أين الذين أقسموا أن يجعلوا حياتهم وقفاً على أمتهم؟ أين القوميون عندما تحتاجهم الأمة حقاً، لا عندما تحتاجهم مواقعهم؟
لا أطلب من أحد أن يلغي رأيه، فهذا حق مقدس. ولا أطلب من أحد أن يصمت عن مخالفة، فهذا واجب. بل أطلب ما هو أصعب بكثير، وأشرف أيضاً: أن يرتفع كل واحد منكم فوق ذاته الصغيرة. أن يلتقي المختلفون لأن الأمة أكبر من كبرياء أي فرد. أن يكون الدستور مرجعاً للحق لا سلاحاً للهجوم. أن تكون المؤسسة بيتاً جامعاً لا متارساً دفاعياً. أن تكون القيادة تكليفاً ثقيلًا لا ملكية خاصة.
عودوا إلى قسمكم، ثم اختلفوا كما تشاؤون. فالقسم سيذكّركم دائماً بأن الرفيق ليس عدواً، حتى لو اختلفتما في الرأي. وأن النهضة لا تختزل بشخص، مهما علا شأنه، لأن النهضة حركةٌ أبدية لا تتوقف عند حد.
تقدّموا نحو سعاده. تقدّموا إلى حيث تصبح العقيدة فعلاً حياً، لا محفوظات تُلقى في الاجتماعات. إلى حيث يصبح القسم سلوكاً يومياً، لا مراسم تُؤدى في المناسبات. إلى حيث تصبح المحبة القومية قدرة حقيقية على احتضان الرفيق المختلف، لا ذريعة لإقصائه أو تجريحه. إلى حيث يعود الحزب وسيلةً لنهضة الأمة، لا تتحول الأمة إلى وقودٍ لصراعات الحزب.
أيها القوميون، قد تستطيعون تأجيل مصالحة. وقد تستطيعون تأجيل مؤتمر أو لقاء أو تسوية. لكن الأمة لا تستطيع تأجيل نزيفها. والتاريخ لن يسألنا كم بياناً أصدرنا، ولا كم اجتماعاً عقدنا، ولا من انتصر في الخلاف الداخلي. سيسألنا سؤالا واحداً، سيحدد مصيرنا الأبدي: عندما كانت أمتكم تستصرخ أبناءها، ماذا فعلتم؟
وأنا، قومي لا يريد شيئاً لنفسه، أقف بينكم اليوم لا حكماً ولا خصماً، بل رفيقاً يخشى على النهضة من أبنائها بقدر ما يخشاها من أعدائها. أخشى أن نكون قد أضللنا الطريق، فنبحث عن النهضة في التفاصيل، وهي تبحث عنا في الجوهر.
ضعوا أيديكم في أيدي بعضكم. افتحوا الأبواب التي أغلقناها بالخوف والكبرياء. اكسروا جدران القطيعة التي بنيناها بالحقد والنسيان. اجلسوا إلى طاولة واحدة، وليحمل كل واحد منكم قسمه معه، لا ضغينته.
فخارج غرف خلافاتنا، هناك أمة كاملة تنتظر. تنتظر منا أن نكون أهلاً لعهدنا. تنتظر منا أن نكون ما قلنا أننا سنكون.
أغيثوها. قبل أن يفوت الأوان. وقبل أن نصبح مجرد ذكرى حزينة لمن حاولوا النهوض فأخفقوا بسبب أنفسهم.
سعاده سبقنا إلى المستقبل. فهو لم يعد موجوداً لنعود إليه. لكن فكره حي، ورسالته قائمة، وأمتنا موجودة. فلا تعودوا إليه. تقدّموا نحوه.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :