ايكون نيوز
بقلم الدكتورة ضياء حسان
رفقائي أينما كنتم،
ليس أصعب على القومي الاجتماعي من أن ينظر إلى المؤسسة التي أعطاها من إيمانه وعمره وجهده، فيراها موزعة بين الانقسامات، مثقلة بالجراح، وقد ابتعد عنها رفقاء حملوا القضية سنوات طويلة، لا لأنهم تخلوا عن عقيدتهم، بل لأنهم تعبوا من الخلاف، وفقدوا الثقة، وآثر بعضهم الابتعاد على أن يكون طرفاً في صراع لا يرى فيه خدمة للقضية التي آمن بها.
ولعلّ أوجع ما وصلنا إليه أننا أصبحنا نسأل بعضنا بعضاً: إلى أي تنظيم تنتمي؟ بدلاً من أن نسأل: ماذا نستطيع أن نفعل معاً من أجل النهضة التي ننتمي جميعاً إليها؟ هذه هي المسألة. وهنا يجب أن نقف أمام أنفسنا بصدق وشجاعة. فإذا كان هذا الحراك التصحيحي سينتهي إلى إنشاء تنظيم خامس يضاف إلى التنظيمات القائمة، وإذا كان سيجمع فريقاً جديداً في مواجهة فرق أخرى، وإذا كان سيستبدل خلافاً بخلاف وانقساماً بانقسام، فنكون قد أخطأنا الغاية مهما حسنت النيات.
أما إذا استطعنا أن نجعل منه جسراً يعبر عليه القوميون بعضهم نحو بعض، ونواةً لمشروع إصلاحي جامع، وفرصة لإعادة بناء الثقة بالمؤسسة، فعندئذ فقط يكون لهذا الحراك معنى يليق بالقضية التي نحملها. فسعاده لم يؤسس الحزب ليضيف حزباً إلى أحزاب البلاد. وقد قال بوضوح: من أجل أن نصبح أمة حية نعمل، لا من أجل أن ننشئ حزباً يصارع حزباً آخر في البلاد. وقال في السياق نفسه: نحن الذين نقول بالقومية السورية نسعى لتوحيد المجتمع ونزع الشقاق. فكيف نقبل، نحن الذين حملنا عقيدة الوحدة، أن يصبح الشقاق قدراً داخل صفوفنا؟
ماذا نريد بعد اليوم؟
نريد أن نخرج من السؤال: من ربح ومن خسر؟ إلى السؤال: كيف نربح الحزب للقضية من جديد؟ نريد أن ننتقل من الصراع على المؤسسة إلى العمل من أجل إصلاح المؤسسة. ومن الدفاع عن المواقع إلى الدفاع عن الغاية. ومن تعداد أخطاء بعضنا بعضاً إلى تحمل مسؤولية مشتركة عن المستقبل. إن وجود سلطة حزبية ومجلس عمد، على أهميته، لا يكفي وحده. وانتخاب رئيس للحزب، على أهميته، لا يكفي وحده. لأن أزمتنا أعمق من ملء المواقع.
ما نحتاج إليه اليوم هو مشروع. مشروع إصلاحي واضح يستطيع القومي أن ينظر إليه ويقول: نعم، من أجل هذا أعود إلى العمل. مشروع يستطيع أن يعيد إلى القومي الذي ابتعد أملاً بأن المؤسسة يمكن إصلاحها. وإلى الشاب سبباً لكي يأتي إليها. وإلى العامل فيها شعوراً بأن تعبه جزء من خطة وغاية، لا مجرد استنزاف يومي في إدارة أزمة لا تنتهي.
فلنصنع مشروعنا معاً.
نقترح أن يبدأ العمل بورش متخصصة يشارك فيها قوميون من مختلف التجارب والاتجاهات، من العاملين وغير العاملين، ومن المنتظمين وغير المنتظمين، وأصحاب الخبرات والاختصاصات. لا نسألهم من أين أتوا، بل ماذا يستطيعون أن يقدموا. ولا نطلب منهم أن يتخلوا عن آرائهم، بل أن يضعوا معرفتهم وخبرتهم في خدمة مشروع مشترك. وتأخذ هذه الورش بعين الاعتبار ما أُنجز سابقاً، بما في ذلك توصيات المؤتمر السابق، وتعمل على إعداد وثيقة إصلاحية تأسيسية تعالج بجرأة ووضوح أسباب الأزمة، لا مظاهرها فقط. وثيقة تسأل: أين أخطأنا؟ لماذا فقد كثيرون الثقة؟ كيف نعيد بناء المؤسسات؟ كيف نصحح الخلل الدستوري والإداري؟ كيف نستعيد القوميين الذين ابتعدوا؟ كيف نعيد الثقافة والعقيدة إلى مركز الحياة الحزبية؟ كيف نستقطب الشباب ونهيئ جيلاً جديداً يحمل النهضة؟ كيف نبني مؤسسة قادرة مالياً وإدارياً على الاستمرار؟ وأي حزب نريد أن نكون بعد ثلاث سنوات؟ ثم تُوزع هذه الوثيقة على القوميين قبل انعقاد مؤتمر عام، لكي لا يأتي أحد إلى المؤتمر مستمعاً أو مصفقاً، بل شريكاً في التفكير والمسؤولية.
مؤتمر لجميع القوميين
ثم ندعو إلى مؤتمر عام. لا مؤتمر تنظيم ضد تنظيم. ولا مؤتمر غالب ومغلوب. ولا مؤتمر لتوزيع المواقع. بل مؤتمر قضية. ندعو إليه القوميين من مختلف التنظيمات، والقوميين غير المنتظمين، والذين ابتعدوا، والذين ما زالوا يعملون بصمت، والذين امتلأت نفوسهم بالشك من كثرة ما رأوا من تجارب لم تبلغ غاياتها. نريدهم جميعاً. بل ربما نحتاج أكثر ما نحتاج إلى أولئك الذين ابتعدوا. لأن الإصلاح الذي يصنعه فريق لن يعيد الوحدة، والإصلاح الذي لا يستطيع استعادة ثقة المترددين سيبقى ناقصاً. فلنسمع بعضنا بعضاً. ولنختلف حيث يجب أن نختلف. ولننتقد حيث يجب أن ننتقد. ولكن ليكن السؤال الذي يحكم الجميع: ما الذي تحتاج إليه النهضة، لا ما الذي يحتاج إليه فريقنا؟ وتتحول نتائج هذا المؤتمر إلى اتجاهات استراتيجية واضحة لخطة حزبية تمتد ثلاث سنوات، تُعرض وفق الأصول على المجلس الأعلى لإقرار ما يقع ضمن صلاحياته، ثم تتولى السلطة التنفيذية تحويلها إلى خطط تشغيلية سنوية ذات أهداف محددة ومسؤوليات واضحة ومؤشرات يمكن بواسطتها قياس الإنجاز ومحاسبة المسؤولين. وبعدها لا تبقى الخطة في المركز. يحملها المسؤولون إلى المنفذيات. يجلسون مع القوميين. يشرحون، ويسمعون، ويناقشون، ويصححون. فتعود المؤسسة إلى القوميين، ويعود القوميون إلى مؤسستهم.
ولكن، هل ينجح هذا المشروع؟
سيقول كثيرون: جربنا. ووثقنا من قبل. وسمعنا كلاماً كثيراً. وانتهت تجارب كثيرة إلى خيبات جديدة. وهذا الاعتراض لا يجوز أن نستخف به. فالشك الموجود عند عدد كبير من القوميين لم يولد من فراغ، بل من تجارب مريرة ومتراكمة. ولا يجوز أن نطلب من هؤلاء الثقة بكلمة أو بيان أو وعد. الثقة لا تُطلب. الثقة تُكتسب. تُكتسب عندما يرون عملاً. وعندما يرون تضحية. وعندما يرون مسؤولاً يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين. وعندما يرون أن الكفاءة تتقدم على المحسوبية. وأن المؤسسة تتقدم على الأشخاص. وأن المشروع يتقدم على الموقع. وأن القول يتحول إلى فعل. وسنعرف منذ البداية أن الطريق لن يكون سهلاً. سيكون هناك نقص في المال. ونقص في القدرات البشرية. وتعب واعتراض وشكوك.وربما أخطاء وانتكاسات. ولكن متى كان الخوف من الفشل حجة لعدم المحاولة؟ إن أخطر ما يمكن أن تفعله بنا النكبات ليس أن توقعنا، بل أن تسلب منا إرادة النهوض. ونحن لسنا أبناء عقيدة علمتنا انتظار الظروف المناسبة. نحن أبناء عقيدة أرادت أن تصنع ظروفاً جديدة.
ثلاثة شروط لا بد منها
إن نجاح هذا المشروع يحتاج، قبل أي شيء آخر، إلى ثلاثة أمور:
أولاً: مسؤولون يؤمنون بأن المسؤولية عمل وتضحية. من يقبل المسؤولية في هذه المرحلة يجب أن يعرف أنه يدخل ورشة إنقاذ، لا موقعاً تشريفياً. سيكون مطلوباً منه جهد استثنائي، وصبر استثنائي، وقدرة على الاستماع والعمل والمبادرة، لأن إعادة بناء ما تصدع أصعب بكثير من إدارة ما هو قائم.
ثانياً: أن نفتح الأبواب لكل طاقة قومية اجتماعية. في الحزب وخارجه طاقات كبيرة معطلة. اختصاصيون، ومثقفون، وشباب، وإداريون، واقتصاديون، وإعلاميون، وقوميون يملكون تجارب طويلة ولكنهم ابتعدوا عن العمل. لا يجوز أن يبقوا متفرجين. ولا يجوز أن يشعر أحد منهم أن المطلوب منه أن ينضم إلى فريق لكي يستطيع أن يخدم قضيته. المطلوب أن نقول للجميع:هذه قضيتكم. وهذه ورشة الإصلاح. تعالوا واعملوا.
ثالثاً: مشاركة القوميين الذين فقدوا الثقة. وهنا النداء الأصعب. إلى كل رفيق ابتعد. إلى كل رفيق جُرح. إلى كل من حاول وتعب. إلى كل من يقول في نفسه: "لن يتغير شيء"، لا نطلب منك أن تنسى تجربتك. ولا أن تتخلى عن نقدك. ولا أن تمنح ثقتك لأحد على بياض. نطلب شيئاً واحداً: لا تعطِ اليأس حق تقرير مستقبل القضية التي آمنت بها. تعالَ إلى مشروع الإصلاح ناقداً إذا شئت. راقب. حاسب. اعترض. اقترح. ولكن شارك. لأن المؤسسة إذا كانت تحتاج إلى إصلاح، فإن تركها وحدها لمن نختلف معهم لن يصلحها. وإذا كنا نريدها مؤسسة لجميع القوميين، فيجب أن يشارك جميع القوميين في إعادة بنائها.
رفقائي،
لقد حذر سعاده من أن يتحول العمل القومي الاجتماعي إلى مجرد أشكال وترتيبات. فالنظام عنده لم يكن دوائر وصفوفاً فقط، بل "نظام الفكر والنهج" قبل أن يكون نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذا المعنى. لسنا نريد جمع أجزاء متفرقة تحت اسم واحد، فيما النفوس والعقول والاتجاهات متباعدة. نريد وحدة قضية واتجاه وعمل.نريد أن نعود إلى سعاده لا بالصورة والاحتفال والذكرى، بل بالمنهج. بالمعرفة. بالنظام. بالمناقب. بالمسؤولية. وبالإيمان بأن القومي الاجتماعي لا يسأل فقط ماذا فعل الآخرون، بل يسأل نفسه: ماذا فعلت أنا؟
هذه قد تكون فرصتنا
قد ينجح هذا المشروع. وقد تعترضه صعوبات كبيرة. ولكن ما لا يجوز أن نفعله هو أن نقف على أطلال مؤسستنا ونكتفي بوصف الخراب. لقد خاطب سعاده القوميين قائلاً: إن النهضة القومية الاجتماعية وروحها قد وضعت على أكتافكم عبئاً كبيراً عظيماً لأنها تعرف أن أكتافكم أكتاف جبابرة وسواعدكم سواعد أبطال. لم يقل إن الطريق سيكون سهلاً. ولم يعد القوميين بحياة بلا نكبات. بل وضع العبء على أكتافهم. أي وضع المسؤولية عليهم. علينا. علينا نحن، لا على جيل مضى. ولا على قيادة ستأتي يوماً. ولا على قوميين آخرين نتمنى لو قاموا بما لا نقوم نحن به. علينا نحن، الآن. ولعل أجمل ما نستطيع أن نقدمه لسعاده ليس أن نردد أقواله، بل أن نثبت بأفعالنا أننا كنا جديرين بثقته. فهو الذي قال: نحن نترك للأفعال أن تسطّر في التاريخ ما نحن وما نفعل. فلنترك أفعالنا تتكلم. ولنجعل من هذا الحراك بداية جمع لا بداية انقسام. وبداية إصلاح لا بداية تنظيم جديد وبداية استعادة للمؤسسة لا استيلاءً عليها. وبداية عودة القوميين إلى بعضهم، قبل أن تكون عودتهم إلى أي بناء أو هيكل.
رفقائي، لقد خسرنا وقتاً كثيراً. وخسرنا رفقاء كثيرين. وخسرنا من ثقة شعبنا ومن حضور حزبنا الكثير. فلا نخسر ما بقي لنا: الإرادة. ولا نخسر بعضنا بعضاً. ولنتذكر، حين يبدو الطريق صعباً، قول سعادة ألا نصغي إلى هذه الأقوال السخيفة لأن فينا قوة إذا فعلت غيّرت وجه التاريخ. هذه القوة لم تكن يوماً في شخص. ولا في منصب. ولا في تنظيم. إنها في القوميين حين يعرفون قضيتهم، ويتحدون في اتجاههم، وينظمون قوتهم، ويحوّلون إيمانهم إلى فعل.
فلنبدأ. لا غداً. ولا عندما تتوافر كل الظروف. بل الآن. من أجل أن يصبح هذا الحراك نواة وحدة، لا تنظيماً خامساً. من أجل إصلاح المؤسسة، لا إضافة مؤسسة أخرى إلى انقساماتنا. من أجل إعادة القوميين إلى قضيتهم وإلى بعضهم بعضاً.
ومن أجل أن تعود النهضة قوة فعل، لا ذكرى قوة كانت. لأن فينا قوة، إذا فعلت، غيّرت وجه التاريخ.
د. ضياء كامل حسان
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :