واشنطن - ليكس: عودة إلى ملفّات الغرف السوداء

واشنطن - ليكس: عودة إلى ملفّات الغرف السوداء

قبل أكثر من عشرة أيام، نشر المناضل جوليان أسانج أول تغريدة له منذ ثماني سنوات، واكتفى بالقول: «لقد عدت!».

أسانج، الذي واجه الموت في السجون البريطانية، كان قد خرج من السجن وعاد إلى بلده أستراليا في حزيران 2024، حيث خضع للعلاج لاستعادة عافيته، وابتعد عن الأضواء منشغلاً بحياته العائلية، وهو ينتظر مولوده الثالث الشهر المقبل. لكنه حرص على توضيح أن ما نُشر عام 2024 بشأن صفقة خروجه من السجن كتبه فريق الدفاع عنه، وليس هو شخصياً. وهو يعيش اليوم أوضاعاً خاصة، بعد سنوات من المعاناة بدأت حين اضطر إلى اللجوء إلى سفارة الإكوادور تفادياً لأمر اعتقال بريطاني كان يهدف إلى تسليمه للسويد في دعوى تحرّش جنسي، أثبتت الوقائع بطلانها. وكان أسانج يدرك أن تسليمه للسويد قد يفتح الطريق أمام تسليمه للولايات المتحدة.
 
وقد استفاد يومها من حكم الرئيس الإكوادوري اليساري رافاييل كوريا الذي منحه اللجوء السياسي عام 2012، وبقي في مقرّ السفارة إلى أن حلّ في السلطة الرئيس لينين مورينو الذي كان يتقرّب من الأميركيين، والذي ألغى قرار سلفه بحجة أن أسانج خالف شروط اللجوء، لتعتقله الشرطة البريطانية فور خروجه من السفارة عام 2019. ومنذ ذلك الحين، واجه أسانج ظروف احتجاز قاسية ومهينة، قبل أن تُبرم تسوية في ربيع 2024، بإعلان فريق الدفاع عنه أنه أقرّ بالذنب مقابل عدم محاكمته وترحيله إلى أستراليا. وجاءت التسوية في ظل تدهور وضعه الصحي، وبعدما حذّر أطباء من وجود خطر جدّي على حياته.
 
قاد جوليان أسانج، مع مجموعة من المغامرين الشجعان، واحدة من أكبر تجارب كشف تدخل الولايات المتحدة في شؤون الدول حول العالم، ونمط عملها الأمني والسياسي، بعدما تمكّن من الوصول إلى عشرات الآلاف من وثائق وزارة الخارجية الأميركية، إضافة إلى وثائق أخرى، كما نجح لاحقاً في الحصول على وثائق تخصّ وزارة الخارجية السعودية وملفات أخرى.
وكان نشر هذه الوثائق يتمّ عبر موقع «ويكيليكس»، الذي أسّسه أسانج مع مجموعة من رفاقه، قبل أن تطلق الولايات المتحدة أكبر حملة مُطاردة أمنية في كل أصقاع الأرض، قادتها الاستخبارات الأميركية، بالتعاون مع أجهزة استخبارات دول عدّة، للوصول إليه وإلى الفريق العامل معه.
 
ولم يكن أسانج في وارد خوض مغامرة جديدة عندما أخضعته السلطات البريطانية للإقامة المشروطة، وفرضت عليه ارتداء سوار للتعقّب طوال فترة إقامته في إحدى الشقق السكنية قرب لندن. وفي الوقت نفسه، باشرت دول عدة، أبرزها السويد، لعب دور قذر في تشويه سمعته ومساعدة الولايات المتحدة في الوصول إليه.
 
كان لتجربة «ويكيليكس» الأثر الكبير في الكشف عن مؤامرات أميركا والغرب ضد شعوب العالم، وعودة جوليان أسانج إلى العلن تعيد الأمل بمواصلة العمل على ملاحقة القتلة وناهبي الشعوب 
 
 
وكانت واشنطن قد واجهت سنوات طويلة من المتاعب مع عدد كبير من المسؤولين والسياسيين حول العالم، الذين انقطع قسم غير قليل منهم عن الاجتماع بالأميركيين، بعدما كشفت وثائق وزارة الخارجية الأميركية ما كانوا يقولونه خلال اجتماعاتهم مع الدبلوماسيين الأميركيين وموظّفي السفارات الأميركية، علماً أنه لم تصل إلى أسانج كل الوثائق المُصنّفة بدرجة عالية من السرية، إذ إن الشخص الذي ساعد في الوصول إلى هذه المواد كان يعمل مع مسؤول عسكري أميركي، وكانت صلاحياته تتيح له الاطّلاع على قسم من الوثائق، لا جميعها.
 
بعد تجربة «ويكيليكس»، حاول الأميركيون الردّ عبر ألاعيب مختلفة، من بينها رفع الحظر عن وثائق موجودة لدى المجمع الاستخباراتي الأميركي، تتعلق بعدد كبير من خصوم الولايات المتحدة حول العالم. وبعد منح روسيا الضابط الأميركي السابق إدوارد سنودن حق اللجوء على أراضيها، انتقلت واشنطن إلى ما يشبه الهجوم المضاد، فأنشأت، بالتعاون مع جورج سوروس، منظّمات تُعنى بالتحقيقات الاستقصائية للصحافيين حول العالم، إلى جانب جمعيات مدنية أخرى، وسلّمتها كميات كبيرة من الوثائق التي نُشرت في السنوات التي تلت «الكشف الكبير» لمؤسسة «ويكيليكس».
 
كما حاول الأميركيون، في أكثر من مناسبة، تسريب وثائق مُزوّرة ونسبها إلى أسانج، بهدف ضرب مصداقية الوثائق التي قرّرت إدارة باراك أوباما، بناءً على توصية أجهزة الاستخبارات، عدم التعليق على الوثائق المنشورة من جانب أي مسؤول أميركي، فيما قادت هيلاري كلينتون حملة علاقات عامة واسعة مع حلفاء الولايات المتحدة حول العالم. وفي موازاة ذلك، عملت جهات أخرى على تطوير برامج حماية وتشفير جديدة للاتصالات والوثائق الحكومية الأميركية.
 
لكنّ حجب المعلومات لا يكفي لمنع تسريبها. فالوصول إلى الوثائق الحساسة يبقى ممكناً عبر وسائل متعدّدة، وهو ما خبرناه في «الأخبار» خلال السنوات الخمس الماضية، ولا سيما بعدما خضعت كبريات وسائل الإعلام العالمية (لم تجرؤ وسائل الإعلام العربية أصلاً على مقاربة هذا الموضوع) لضغوط الحكومات والشركات المُموِّلة لها، وابتعدت إلى حدّ كبير عن البحث في وثائق وملفات سرّية تتصل بعمل الحكومات المُهيمِنة في العالم. ومع ذلك، فإن الوصول إلى الوثائق ليس مستحيلاً في عصر الاتصالات، وقد أُتيح لكثيرين الحصول على مُعطيات ذات حساسية عالية.
 
بل إن التطور الأخطر يتمثّل اليوم في استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج وثائق مكتوبة أو مُصوّرة، أو محادثات منسوبة إلى أشخاص، من دون أن تكون لها أي صلة بالواقع. وقد ظهرت حالات ابتزاز استهدفت سياسيين ورجال أعمال، من قبل عناصر استخباراتيين مرتبطين بدول وحكومات، باستخدام مواد (بينها مقاطع فيديو ورسائل نصّية) لتشويه صورتهم. وفي إحدى الحالات، تجرّأ رجل أعمال عربي بارز على اللجوء إلى القضاء مُطالِباً بالتحقيق، ليتبيّن سريعاً أن ما نُسب إليه لم يكن سوى «إنتاج مُركّب» بواسطة الذكاء الاصطناعي.
 
«الأخبار» تعود إلى نشر ما تراه مناسباً من وثائق تتصل بمرحلة الصراع الكبرى التي نشهدها اليوم. وفي عدد الغد، سننشر وثيقة أميركية حديثة جداً، صادرة عن جهة رسمية عليا في الإدارة الأميركية، تتناول ملفاً يخصّ لبنان. وسنفهم من خلال هذه الوثيقة، كيف يفكّر الأميركيون وكيف يخطّطون بالتعاون مع حلفائهم في لبنان وخارجه من أجل القضاء على المقاومة!
 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي