مرشد سليمان... عندما يصبح الحضور أبلغ من ألف بيان

مرشد سليمان... عندما يصبح الحضور أبلغ من ألف بيان

خاص ايكون نيوز

في لبنان، حيث تكفي صورة واحدة أحياناً لفتح نقاش سياسي كامل، لم يكن حضور نائب المدير العام لأمن الدولة العميد مرشد سليمان في إحياء ذكرى السيد حسن نصرالله مشهداً عادياً.

 

المشهد كان واضحاً: قيادات أمنية غابت، وشخصية أمنية رفيعة اختارت أن تحضر شخصياً.

 

وهنا تبدأ الحكاية.

 

لم يكن العميد مرشد سليمان موظفاً عادياً حضر مناسبة عابرة. إنه نائب المدير العام لأمن الدولة، أي أحد أبرز المسؤولين في مؤسسة أمنية رسمية. ولذلك، فإن ظهوره في مناسبة بهذه الحساسية، وفي ظل غياب القيادات الأمنية الأخرى، منح حضوره معنى يتجاوز حدود المشاركة الشخصية.

 

الأكثر دلالة أن المشهد لم يتوقف عند الحضور.

 

بعد ساعات، نشر سليمان عبر خاصية «الحالة» عبارة قالت:

 

«لما الشخص منا بيشلح تيابو بيعرى. هيك ربينا وهيك نحنا وهيك منموت».

 

قد تكون العبارة قصيرة، لكنها في توقيتها وموقع صاحبها تحمل من الرسائل أكثر مما قد يحمله بيان طويل.

 

فهو لم يقل: أنا مع هذا أو ضد ذاك. لم يدخل في سجال سياسي، ولم يطلق اتهاماً مباشراً لأحد. ترك عبارته مفتوحة، لكن معناها بالنسبة إلى مؤيديه كان شديد الوضوح: الموقع لا يمحو الأصل، والرتبة لا تلغي الإنسان، والمسؤولية الرسمية لا تعني التنكر لما تربّى عليه المرء.

 

وهنا تحديداً يصبح حضور مرشد سليمان أكثر إثارة للاهتمام.

 

عندما يغيب السياسيون... ويحضر رجل الأمن

 

المفارقة لا تتوقف عند القيادات الأمنية.

 

فمشهد الغياب انسحب أيضاً على عدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على خط التحالف مع حزب الله، بدءاً من النائب فيصل كرامي، في وقت كان من الطبيعي أن تكون الذكرى مناسبة لحضور سياسي أوسع من جانب الحلفاء.

 

وبذلك بدا المشهد، في إحدى قراءاته السياسية، أكثر قسوة: حلفاء سياسيون يغيبون، ومسؤول أمني رفيع يحضر.

 

وهذه ليست مقارنة بين الأشخاص بقدر ما هي مقارنة بين المواقف في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

 

فالسياسي يستطيع أن يبرر غيابه بألف سبب، وأن يترك للظروف والاعتبارات السياسية أن تفسر موقفه. أما المسؤول الأمني، فإن ظهوره في مناسبة من هذا النوع يضعه مباشرة تحت الضوء، لأن كل خطوة له تُقرأ باعتبارها صادرة عن شخصية تشغل موقعاً في مؤسسة من مؤسسات الدولة.

 

ومع ذلك، اختار سليمان أن يكون هناك.

 

وهذا بالضبط ما أعطى حضوره كل هذه الضجة.

 

«هيك ربينا»... ليست مجرد عبارة

 

قد يقرأ البعض عبارة العميد باعتبارها موقفاً شخصياً، وقد يقرأها آخرون بوصفها رسالة سياسية غير مباشرة.

 

لكن ما يصعب تجاهله هو أن الكلمات الثلاث الأكثر دلالة فيها هي:

 

«هيك ربينا».

 

فالإنسان، قبل أن يصبح عميداً، وقبل أن يصبح نائب مدير عام، يكون ابن بيئته وتربيته وذاكرته وعلاقاته الإنسانية. وحين يصل إلى موقع رسمي، لا يتحول بالضرورة إلى شخص بلا ماضٍ ولا ذاكرة.

 

وهذا تحديداً ما جعل العبارة تلقى إشادة من مؤيديه، حتى إن الإعلامية مروى خلف وجّهت إليه رسالة علنية قالت فيها: «منرفعلك القبّعة لإنّك شجاع في زمن الجبن».

 

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التوصيف، فإنه يكشف حجم الأثر الذي تركه المشهد لدى مؤيدي العميد: الحضور اعتُبر فعلاً يحتاج إلى شجاعة، والعبارة اعتُبرت إعلاناً عن عدم التخلي عن الجذور.

 

في زمن تبدّل المواقع... بقيت الصورة

 

السياسة اللبنانية مليئة بالمواقف المتحركة، وبالاصطفافات التي تتغير مع تغير الظروف.

 

لكن ما يلفت في مشهد مرشد سليمان أن الرجل لم يحتج إلى خطاب سياسي حتى يصبح حديث الناس.

 

ذهب إلى المناسبة.

 

حضر.

 

ثم نشر عبارته.

 

وانتهى الأمر.

 

ثلاث خطوات بسيطة، لكنها كانت كافية لتحويل حضوره إلى قضية عامة.

 

وهنا يمكن فهم سبب الاحتفاء به من جانب مؤيديه: لأنهم لم يروا في الصورة مجرد عميد يرتدي موقعه الرسمي، بل رأوا إنساناً لم يسمح للموقع الذي وصل إليه أن يمحو ما كان عليه قبل الوصول إليه.

 

وهذه، بالنسبة إلى مؤيديه، ليست مسألة حزبية فحسب؛ إنها مسألة وفاء.

 

المفارقة التي لا يمكن تجاهلها

 

الأشد دلالة في المشهد أن العميد سليمان لم يكن مضطراً إلى الحضور كي يثبت موقعه الوظيفي.

 

كان يستطيع أن يغيب مثل غيره.

 

وكان يستطيع أن يترك المناسبة تمر من دون أن يدخل اسمه في سجال سياسي وإعلامي.

 

لكنه حضر.

 

وفي المقابل، غابت شخصيات سياسية كان يُنتظر منها أن تكون في الصفوف الأولى في ذكرى بهذه الرمزية بالنسبة إلى جمهور حزب الله وحلفائه.

 

ومن هنا جاءت المفارقة التي جعلت اسم مرشد سليمان يتقدم إلى الواجهة: رجل أمن حضر، بينما غاب سياسيون.

 

وهذه الصورة وحدها كافية لطرح سؤال أكبر من المناسبة نفسها:

 

ماذا يبقى من الإنسان عندما يتغير موقعه؟

 

هل يصبح المنصب سبباً للتنصل من الذاكرة؟ أم يستطيع المسؤول أن يحافظ على إنسانيته وقناعاته، مع احترامه لموقعه الرسمي؟

 

مرشد سليمان اختار، في هذه المناسبة، أن تكون الإجابة عبر الفعل لا عبر الكلام.

 

الحضور الذي أصبح موقفاً

 

قد يختلف اللبنانيون حول السياسة، وحول حزب الله، وحول ذكرى السيد حسن نصرالله، وحول علاقة الشخصيات العامة بهذه المناسبة.

 

لكن شيئاً واحداً لا يحتاج إلى كثير من التأويل:

 

العميد مرشد سليمان حضر.

 

وحضوره، في ظل غياب قيادات أمنية وشخصيات سياسية أخرى، تحول إلى صورة قائمة بذاتها.

 

ثم جاءت عبارته لتضع إطاراً لهذه الصورة:

 

«هيك ربينا... وهيك نحنا... وهيك منموت».

 

وفي بلدٍ اعتاد أن يرى المسؤولين يكثرون من الكلام عندما يريدون تبرير مواقفهم، ربما كانت قوة سليمان في أنه لم يشرح كثيراً.

 

ترك الصورة تتحدث.

 

ترك الحضور يتحدث.

 

وترك كلماته القصيرة تتحدث.

 

ومن هنا يمكن فهم الإشادة التي أحاطت بموقفه: ليس لأنه مسؤول أمني فحسب، بل لأنه، في نظر مؤيديه، اختار في لحظة دقيقة ألا يتنكر لما تربّى عليه.

 

قد يُناقش موقفه سياسياً.

 

قد يُساءل عن حدود موقعه الرسمي.

 

وقد يختلف الناس حول دلالات مشاركته.

 

لكن لا يمكن تجاهل أن مشهداً واحداً اختصر الكثير:

 

حين غاب آخرون، حضر مرشد سليمان.

 

وحين كان الصمت أسهل، ترك عبارة.

 

وحين كان بإمكانه أن يمر من دون ضجيج، اختار أن يكون موجوداً.

 

وهنا بالضبط يصبح الحضور موقفاً.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي