النصر لا يوازي خسارتك يا سيّد.. حين يصبح الغياب أثقل من التاريخ

النصر لا يوازي خسارتك يا سيّد.. حين يصبح الغياب أثقل من التاريخ

 

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

 

هناك غيابات لا تعرف معنى "الماضي". هي لا تتراجع في صفحات الروزنامة، بل تنغرس كالجذور العميقة في تربة القلب؛ تبعد عن العين، لكنها تظل قريبةً من النبض، كأن الخبر وصل للتو، وكأن أصابع الزمن لم تمسّ بعد تلك اللحظة التي انشقّ فيها العالم إلى نصفين. في الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصر الله، وفي ذاك اليوم الذي هزّت فيه غارة إسرائيلية صلبة أرض الضاحية الجنوبية لبيروت (27 أيلول 2024)، يعود سؤال الفقد ليسأل بما يتجاوز حدود السياسة وقدراتها على الإجابة: كيف يعوّض الإنسانُ فراغَ مَن كان قلبَه النابض؟

 

عبارة «النصر لا يوازي خسارتك يا سيد» ليست مجرد كلمات؛ إنها صرخة الحزن العارية عند محبيه، ذلك الحزن الذي لا يدخله حساب الربح والخسارة، ولا تقوى عليه نتائج المعارك مهما عظمت. فمَن ذاق طعم الفقد يعرف أن الفرح اللاحق قد يجد له زاوية ضيقة في الصدر، لكنه لن يستطيع أبدًا أن يشغل المقعد الشاغر الذي تركه الغائب. المقعد فارغ، والفرح لا يسد الفراغ.

 

على امتداد عقود، لم يكن اسم حسن نصر الله مجرد عنوانٍ في الأخبار، بل كان حضورًا حيًّا يتنفس في البيوت اللبنانية، في همسات الأمهات، وفي انتظار الآباء، وفي أحاديث السهر التي كانت تدور حول صوته كشمسٍ يدور حولها الكوكب. ومن هذا الحضور المتجذّر نشأت صلةٌ وجدانية عميقة، تجعل رحيله كارثةً شخصية لكل فرد قبل أن تكون حدثًا سياسيًا. وحين ينقطع خيط هذا الحضور، تتبدل تفاصيل صغيرة تبدو عديمة الأهمية للتحليلات الجافة: طريقة الإصغاء إلى خبرٍ عابر، صورة قديمة تستوقف ناظرها فتدمع عيناه دون إذن منه، أو تسجيل صوتي قديم يعيد إلى الذاكرة يومًا كاملًا بكل ضحكاته وألمه.

 

في هذه التفاصيل الدقيقة، وليس في الخطب الكبرى، يسكن الحزن الحقيقي. تأتي الذكرى غالبًا في لحظة صمت مطبق، بعيدًا عن أضواء المناسبات وضجيج الخطاب السياسي، ليكتشف المرء فجأةً أن ما ظنه قد سكن في أعماقه لا يزال ينبض بألمٍ حاد. فالاعتناء بالغياب يحتاج إلى زمنٍ خاص به، لا تحدد مداه التقويمات، ولا يملك أحدٌ فرض نهايةٍ عليه بالقوة.

 

ومن هنا، يستحق حزن الناس أن يُعامل برفقٍ يليق بكرامته. فلا يجوز أن تتحول الدمعة إلى مادةٍ للشماتة السياسية، ولا أن يتحول الوجع الإنساني الصادق إلى منصة لتصفية الحسابات. تبقى المواقف والسيرة موضوعًا للنقاش والمساءلة، لكن يبقى للإنسان حقَّه الأقدس في أن يحزن على مَن أحبّ، وأن يحتفظ بذكرياته كآخر كنزٍ يحميه من الانهيار، دون إهانة أو تجريح.

 

لكن هذا الوجع الفردي ليس جزيرة معزولة؛ إنه يفتح الباب على وجع لبنان الأوسع والأكثر مرارة. ثمة عائلات فقدت أبناءها وترك لها الموت أشلاءً وذكريات، وأطفال يكبرون وهم يحملون صور آبائهم كوثيقة وجودٍ وحيدة، وبيوت خلت من أهلها فأصبحت متاحف للألم الصامت. لكل خسارة اسمٌ وملامح وحكاية دمعية، ولكل عائلة لحظة محددة انقسمت عندها حياتها إلى "قبل" الجميل و"بعد" القاسي. وكلما اقتربنا من فهم ألم عائلة واحدة بعينها، أمكننا التعاطف مع آلام آلاف العائلات الأخرى، وصرنا أكثر حرصًا على حياة الذين ما زالوا بيننا، لأننا عرفنا كم هي هشّة.

 

لهذا، تحمل كل ذكرى مسؤولية أخلاقية تجاه الأحياء: مواساة لعائلة منكوبة بكسرها، رعاية لطفل بائس يبحث عن أبٍ في المنام، مساندة لمصاب لا يشفى جرحه النفسي، وفتح باب لمن ضاق به المكان. في مثل هذه الأفعال الصغيرة تجد الرحمة طريقها، ويجد المكلومون ما يخفف وطأة وحدتهم. وما أشد حاجة المجتمع إلى من يسأل عنهم بعد انتهاء المراسم الرسمية، وبعد ابتعاد الكاميرات، وعاد كلٌّ إلى دوامة يومه العادي متناسيًا أن هناك من يعيش في "اليوم التالي" للألم منذ سنوات.

 

وحين يُلقي المحبُّ عبارته: «النصر لا يوازي خسارتك يا سيد»، يمكن سماع السؤال الإنساني الخفي خلف الكلمات: ما قيمة أي فرح إذا عجزنا عن مشاركته مع الذين فقدناهم؟ ما معنى الانتصار إذا كان الثمن وجوهاً لن نراها مجددًا؟ إنه السؤال الذي يعرفه جيداً كلُّ من التفت في لحظة سعادةٍ عابرة، بحثاً عن وجهٍ محبّب، ليجد أمامه الهواء فقط.

 

تمضي الحياة رغم كل شيء، ويستحق الأحياء أن يجدوا فيها طمأنينة وفرحًا. ويظل للحزن مكانه المقدس الذي لا ينبغي المساس به، وللذكرى حرمتها التي لا تُنتهك، ولمن أحبّوا السيد حسن نصر الله الحق الكامل في التعبير عن ألمهم بحرية ودون خوف. فمهما تقلبت الأيام وتغيرت موازين القوى، يبقى الموت خسارةً نهائية لا تعيدها الخطب ولا تصنعها الانتصارات، وتبقى الرحمة أصدق ما يستطيع الإنسان أن يقدمه للغائبين، ولمن تركوهم خلفهم يواجهون الدنيا وحدهم، يحملون أسماء الأحبة كدرعٍ ضد العراء.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي