صباح الخير
كوكب معلوف ـ رئيسة التحرير
في نيويورك، حيث تجتمع دول العالم تحت سقف الجمعية العامة للأمم المتحدة، تبدو فلسطين حاضرة بقوة في خطابات القادة ومواقف الحكومات. لكن السؤال الحقيقي لم يعد ماذا يقول العالم عن فلسطين، بل ماذا يفعل من أجلها؟ فالفارق بين الموقف المعلن والسياسة المطبقة بات أحد أكثر الاختبارات قسوة لمصداقية النظام الدولي.
الأمم المتحدة نفسها قدمت هذا العام مشهداً كاشفاً. فقد صوتت الجمعية العامة بأغلبية ساحقة بلغت 152 دولة مقابل ثلاث فقط، بينها الولايات المتحدة و«إسرائيل»، للسماح للرئيس الفلسطيني محمود عباس بالمشاركة في أعمال الجمعية العامة عبر كلمة مسجلة، بعدما حالت القيود الأميركية دون حضوره شخصياً إلى نيويورك.
الرقم ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فهو يعكس اتساع الفجوة بين المزاج الغالب في الجمعية العامة وبين سياسة واشنطن تجاه القيادة الفلسطينية. ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت الغالبية الدولية تؤيد حضور فلسطين وتمثيلها، فهل تملك الدول نفسها الإرادة لتحويل هذا التأييد إلى ضغط سياسي واقتصادي فعلي على دولة الكيان الغاصب المتمادي في الوحشية ضد الفلسطينيين؟
في أوروبا، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لأن بعض الدول بدأت بالفعل تربط مواقفها بإجراءات ملموسة. بريطانيا، مثلاً، لم تكتفِ بإعلان رفضها للاستيطان. فقد أعلنت حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات، وفرض عقوبات على أشخاص وشركات مرتبطة ببناء المستوطنات أو تمويلها أو الاستفادة منها، كما أعلنت أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.
وهنا تحديداً يصبح الفرق بين الموقف والفعل قابلاً للقياس. عندما يقول رئيس الحكومة البريطانية أمام الجمعية العامة إن الاستيطان يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية، ثم تشير حكومته إلى إجراءات تجارية وعقوبات تستهدف النشاط الاستيطاني، فإن الخطاب يتحول، ولو جزئياً، إلى سياسة. لكن يبقى السؤال الآخر: هل حجم هذه الإجراءات يتناسب مع حجم الأزمة والهدف الذي تعلنه لندن نفسها؟
الأمر ذاته ينطبق على فرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى. ففي الثامن من أيلول، أعلنت مجموعة من الدول، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا والنرويج وغيرها، نيتها اتخاذ قيود تجارية ضد منتجات المستوطنات أو دعم قيود أوروبية بهذا الاتجاه، وربطت ذلك مباشرة بالحفاظ على إمكانية قيام دولتين.
وهذا تطور مهم، لأنه ينقل قضية فلسطين من دائرة الإدانة الدبلوماسية إلى استخدام أدوات اقتصادية. لكن المقياس الحقيقي لا يتوقف عند إعلان العقوبات، بل عند مدى تنفيذها واتساعها وتأثيرها، وعند ما إذا كانت ستتطور إلى ضغط سياسي قادر على منع خطوات الضم والاستيطان التي تقول هذه الحكومات إنها تهدد حل الدولتين.
أما فرنسا، فقد جعلت من الاعتراف بالدولة الفلسطينية جزءاً من مسار سياسي أوسع، وتربط دبلوماسيتها بما تسميه «إعلان نيويورك» وخارطة الطريق نحو حل الدولتين. وتوضح وزارة الخارجية الفرنسية أن هذا المسار يهدف إلى إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة إلى جانب «إسرائيل،» وإنهاء الحرب في غزة والتوصل إلى تسوية دائمة.
لكن الاعتراف، مهما كانت قيمته السياسية والرمزية، لا يوقف الاستيطان وحده، ولا يفتح المعابر وحده، ولا يحمي المدنيين وحده. قيمة الاعتراف تقاس بما يرافقه من أدوات ضغط قادرة على تغيير الواقع.
وهنا تقع المسؤولية أيضاً على الدول العربية. فالمواقف العربية في المحافل الدولية تؤكد رفض التهجير والضم والاستيطان، وتتمسك بقيام دولة فلسطينية مستقلة. لكن قوة هذه المواقف لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُقال في نيويورك، وإنما بقدرة الدول العربية على استخدام علاقاتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية للضغط من أجل ترجمة تلك المبادئ إلى وقائع.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التناقض الأميركي. فالولايات المتحدة تتحدث عن السلام وعن ترتيبات سياسية في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه مددت القيود التي تمنع مسؤولين فلسطينيين من دخول أراضيها للمشاركة في أعمال الأمم المتحدة.
وهكذا تبدو فلسطين في نيويورك أمام مشهدين متوازيين: مشهد دبلوماسي تتزايد فيه الاعترافات والبيانات والإدانات، ومشهد ميداني لا يتغير بالسرعة التي تتغير بها اللغة السياسية.
المشكلة إذن ليست في غياب المواقف الدولية. المواقف موجودة، والبيانات موجودة، والاعترافات تتوسع، وحتى بعض الإجراءات بدأت تظهر. المشكلة هي المسافة بين هذه المواقف وبين مستوى الأفعال المطلوبة لترجمة المبادئ إلى نتائج.
فإذا كانت الدول تعتبر الاستيطان عقبة أمام حل الدولتين، فالسؤال هو ماذا ستفعل لمنعه. وإذا كانت تعتبر تهجير الفلسطينيين مرفوضاً، فما الإجراءات التي ستتخذها لمنعه. وإذا كانت تعترف بالدولة الفلسطينية، فكيف ستدعم قدرتها على ممارسة سيادتها. وإذا كانت ترى أن القانون الدولي يجب أن يسري على الجميع، فكيف ستضمن تطبيقه عملياً؟
في النهاية، لم تعد فلسطين تحتاج إلى خطابات جديدة بقدر ما تحتاج إلى أفعال يمكن قياسها. فالمصداقية الدولية لا تُبنى بما يقوله القادة أمام كاميرات العالم في قاعة الجمعية العامة، بل بما يفعلونه عندما تنطفئ الكاميرات ويعودون إلى عواصمهم ما يجري في الضفة الغربية من تهجير وعنف بقصد تنفيذ دعوات سموتريتش وسواه للمزيد من التوطين، وما تعرضت له غزة ولا تزال من إبادة بشرية وعمرانية لا يوحي انه بقي هناك مجال لاي دولة فلسطينية.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لنيويورك: هل تكون الجمعية العامة هذه المرة محطة جديدة لتسجيل المواقف، أم نقطة انتقال من دبلوماسية الكلام إلى سياسة الفعل؟
يقول زعيمنا عن الأمم المتحدة وكانت تعرف في الاربعينات بجمعية الأمم،وفي إطار رفضه أي قرارات تسلب الامة سيادتها «ان كل مقررات انترناسيونية تخالف إرادة الامة السورية ومستقبلها هي مقررات باطلة» مضيفا انه لا يحمي الامة الا قواها الذاتية ……..مشهد نتنياهو على قمة جبل الشيخ مؤخرا ومرتديا سترته الواقية ومتفاخرا بسيطرته على المنطقة الممتدة من جبل الشيخ الى نهر اليرموك والبحر المتوسط ،كم هي مستفزة لأحرار هذه الامة وكم تستدعي افعالا وليس اقوالا ؟؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :