حرب سوريا كانت فلسفية بالوكالة – أُسقطت الدولة وانتصرت التفاهة!

حرب سوريا كانت فلسفية بالوكالة – أُسقطت الدولة وانتصرت التفاهة!

 

نظام مارديني- صباح الخير 

 

لم تكن الحرب السورية التي كان يُراد لها أن تكون «أهلية»، بين 2011 ـ 2024، مجرّد حدث عسكري أو صراع جيوسياسي، بل تحوّلت إلى اختبار فلسفي عميق لمفاهيم العقل، والأخلاق، والمسؤولية، والمعنى؛ كانت حروبًا بالوكالة وتدخّلات خارجية باسم الحرية والديمقراطية. في هذا السياق، لم يعد السؤال الفلسفي يدور حول شرعية الحرب من حيث المبدأ فقط، بل حول موقع الفيلسوف نفسه: هل هو شاهد؟ أم مشارك؟ أم ناقد من الخارج؟ أم ضمير يُستدعى بعد فوات الأوان؟

 

هدف الحرب الداخلية كان، كما كُشفت أوراقها، هو نقل سوريا من موقع الدولة «المعاقبة» إلى موقع الدولة «المنصاعة». لكن نجاح هذا الانتقال لن تحدّده المراسيم الأميركية ولا المصافحات الدبلوماسية ولا تنازلات السلطة، بل قدرة الشعب السوري على إثبات أن التحوّل لم يشمل طبيعة الحكم، بل لغة السلطة أيضًا، والتي ستأخذ البلاد إلى فوضى ستستمرّ قرنًا كاملاً، إن لم يأخذ الشعب السوري المبادرة وتصحيح المسار.

 

تكشف مراجعة مواقف الفلاسفة خلال حقبات الحروب (الحربان العالميتان، الأولى والثانية، وحرب فيتنام) عن تباينات حادة لا يمكن اختزالها في انقسام بسيط بين «مع» و «ضد» الحرب. بعضهم انخرط في الصراع بوصفه معركة أخلاقية أو وجودية، قبل أن يصطدم بواقع العنف والانقسام والتضليل. بعضهم رفض الانحياز دفاعًا عن الإنسان الفرد في مواجهة منطق المعسكرات. آخرون حاولوا فهم الحرب بوصفها ظاهرة بنيوية: نتاج الدولة الحديثة، أو الجماهير المؤدلجة، أو انهيار المجال العمومي، أو فشل السياسة في احتواء الاختلاف. وبين هذه المواقف، ظهرت أسئلة جديدة حول مسؤولية الفكر حين يتحوّل إلى أداة تعبئة، أو حين يُستدعى لتبرير القتل باسم الضرورة التاريخية. ولكن الحرب لا تُثبت من هو على حقّ، بل فقط من بقي حيًّا، ودفع ثمن موقفه سجنًا وتهجيرًا وإقصاءً أكاديميًّا.

 

الفلسفة لم تقدّم موقفًا واحدًا من الحرب، بل كشفت هشاشة اليقين الأخلاقي وسهولة انزلاق الفكر إلى التبرير حين يفقد مسافته النقدية.

 

كشف موقف الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، خلال صعود النازية عن الوجه الآخر للفلسفة حين تنخرط في خطاب «المصير التاريخي» وتذوب في السلطة، معتبرًا أن القيادة تجسيد للحقيقة ذاتها. هذا الانخراط جعل من الفلسفة أداة شرعنة بدلاً من أن تكون أداة مساءلة.

 

الحروب الأهلية وضعت الفلاسفة أمام معضلة أشدّ تعقيدًا. هنا لا يوجد عدوّ خارجي واضح، بل عنف داخليّ يمزّق المجتمع واللغة والذاكرة.

 

في القرن الحادي والعشرين، تغيّرت طبيعة الحرب مرة أخرى. لم تعد حدثًا يُعلن ثم ينتهي، بل حالة شبه دائمة: حروب بلا جبهات واضحة، عنف منخفض الشدّة لكنه مستمر، وحضور كثيف للتكنولوجيا والإعلام. وصف الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أغامبن، هذا التحوّل من خلال مفهوم «حالة الاستثناء»، حيث تصبح الإجراءات الطارئة قاعدة دائمة وتُعلّق الحقوق باسم الأمن. الفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر، ركّزت على البعد الأخلاقي- الإعلامي للحرب المعاصرة، متسائلة عن الأرواح التي تُعتبر قابلة للحزن وتلك التي يُسمح بزوالها دون أثر.

 

إدوارد سعيد (مفكّر وناقد فلسطيني) قدّم نقدًا حادًّا للتدخلات الغربية في العالم العربي، معتبرًا أن تصوير الشرق بوصفه عاجزًا عن حلّ أزماته هو الشرط الثقافي الذي يجعل التدخّل يبدو عقلانيًّا وأخلاقيًّا. يورغن هاب رماس ( فيلسوف وعالم اجتماع الماني) حاول التوفيق بين القانون الدولي ورفض الحرب، فدافع بتحفّظ عن التدخّلات متعدّدة الأطراف الخاضعة لإجماع دولي صارم.

 

إنّ العنف، حتى حين يُمارس باسم العدالة (مجازر الساحل والسويداء والشيخ مقصود في حلب)، يولّد منطقًا خاصًّا به يُفرغ الإنسان من إنسانيته. وهو تشخيص يجعل من الحرب الأهلية انهيارًا أخلاقيًّا شاملاً لا يمكن تبريره بأيّ غاية.

 

إنّ ضياع الجغرافيا السورية لن يقتصر أثره على التفريط بالحقوق التاريخية فحسب، بل سيمتدّ أثره ليصيب الإرادة الوطنية والقرار الوطني المستقلّ في مقتل، ويجعل من السيادة مجرّد سلعة تُباع وتُشترى على «قارعة» البازارات الدولية.

 

منذ بداية حملته الرئاسية الأولى (2017) لم يُخفِ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رؤيته المظلمة لـ«الإسلام»، وكانت هذه الرؤية جزءًا من الحملة لكسب الأصوات عبر تخويف الأميركيين من الأخطار التي يحملها «إسلاميون متطرّفون»، وكان قد قال إنّ الإدارة الأميركية في عهد باراك أوباما وشريكته هيلاري كلينتون كانت وراء تأسيس هذه الجماعات التكفيرية المتطرّفة (راجع تصريحه في 2016/8/10). ودعا ترامب أنصاره إلى مواجهة «إيديولوجية الإسلام الراديكالي البغيضة»، حسب وصفه، وقال: «يجب ألا يُسمح لها بالتوطّن أو الانتشار في أوساط مجتمعاتنا». وتتشابه هنا الترامبيّة مع المكارثيّة في أنّها تعمل على تضخيم الخطر وصناعة الخوف من خلال اختراع عدوّ متوهّم وشيطنته، تزوير المعلومات ونشر الشائعات وهو ما درج عليه ترامب حتى الآن.

 

لم يسبق أن كانت السياسة الأميركية بهذا الصلف والوضوح مما كانته سابقًا، وهي التي تحتفل هذه الأيام بمرور 250 عامًا على قيام الولايات المتحدة الأميركية، إذ يبدو ترامب شديد الوضوح في الكثير من خطواته الدولية، وحتى إذا شابها بعض الغموض، فإنها كثيرًا ما تنجلي عندما يتعلق الأمر بالمحيط الإسرائيلي وفي صلبه الصراع الدائر اليوم، ذلك أنّ وضوحه كان قد بلغ في أنقرة (خلال قمة الناتو 8 تموز) درجة لم تكن معهودة. صحيح أنها لم تكن المرة الأولى التي يجاهر فيها ترامب بـ «منحه» الجولان السوري للكيان الإسرائيلي، فهو سبق له وأن كتب العام 2019 وثيقة تشي بذلك، لكنها المرة الأولى التي يجاهر فيها أمام رئيس سوريّ والذي لم يردّ على كلام ترامب بالرفض لطلبه والتأكيد على سوريّة الجولان. والشاهد هو أن «المقابل» لم يتأخّر، فقد جاء في رسالة ترامب المكتوبة إلى الشرع «لقد أبلغت الكونغرس اليوم بقراري إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، ووفقًا للقانون، سيجري الكونغرس مراجعة مدّتها 45 يومًا لإقرار هذا القرار نهائيًّا». ومن شأنها أن تكون درسًا سوريًّا لكل الدول التي تعيش ظروفًا مشابهة، وبمعنى آخر درسًا لكل الدول التي يتحكّم العامل الخارجي باستقرارها ونموّها وازدهارها.

 

ولربما كان أول المدعوين لاستحضار هكذا مناخات هي الدولة اللبنانية، التي يجب أن تضع نصب عينها إمكان استنساخ السيناريو السوري على أراضيها، كأن «يمنح» ترامب مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، إن لم يكن أكثر لـ «إسرائيل».

 

في هذا العالم الجديد، تقاس شرعية الدول بمدى انصياعها للأسواق، لا بتمثيلها لشعوبها، وبمدى فتحها لحقولها وموانئها وشركاتها العابرة للقارات، لا بقدرتها على حماية مواردها.

 

سوريا، في هذا السياق، لم تعاقَب لأنها فاشلة، بل لأنها حاولت أن تكون دولة. حاولت أن تقول: هذه أرضنا، وهذه مواردنا، وهذا قرارنا.

 

لم يكن قرار الولايات المتحدة رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب إجراءً قانونيًّا عابرًا، إنه إعلان سياسي عن بدء مرحلة جديدة من العلاقة الأميركية مع سوريا.

 

كانت سوريا مدرجة على قائمة الإرهاب منذ عام 1979، لكنّ واشنطن التي عاقبت الدولة السورية لعقود، قرّرت منح حكومة الرئيس أحمد الشرع فرصة للخروج من العزلة، وفتح الطريق أمام عودة البلاد إلى النظام المالي الدولي واستقبال الاستثمارات والمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.

 

ليس أخطر ما في تفاهة ترامب أنها موجودة؛ فالتفاهة قديمة قدم البشر. لكن الخطر يبدأ عندما لا تعود التفاهة مجرّد سلوك فردي، بل تصبح قيمة عامّة للسلطة.

 

فهل التفاهة نفسها صارت أداة حكم، ولأن الدولة جرى تفكيكها من الداخل، وتحويلها إلى كيان هشّ ومحاصر وتباع مؤسساته لكل مشترٍ، وقابل للابتزاز أو للإزاحة، متى ما تجرأ الحاكم على الخروج عن النصّ؟!

 

ليست السلطة دائمًا بحاجة إلى أن تمنع الناس من التفكير. أحيانًا يكفي أن تجعل التفكير أقلّ جاذبية. أن تُغرق المجال العام بالضجيج، حتى يصبح الهدوء غريبًا. أن تجعل السخرية أسرع من الحجّة، والانفعال أسرع من المعرفة، والفضيحة أسرع من التحقيق… أن تمنح الشخص الذي لا يقول شيئًا مساحة أكبر من الشخص الذي لديه ما يقوله. أليس هذا ما يحدث اليوم تمامًا في سوريا، وقد احتلّ الترند والتافهون والذباب الإلكترونيّ المروّج لكلّ ما هو بخس وبذيء الواجهة، قمعًا وتبخيسًا ورذيلة؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي