أعلن الاتحاد الأوروبي حزمة دعم جديدة للبنان بقيمة 505 ملايين يورو للعامين 2026 و2027، في وقت يواجه فيه البلد ضغوطاً متراكمة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، فضلاً عن تداعيات التصعيد العسكري والنزوح والدمار في عدد من المناطق.
لكن الرقم، على أهميته، لا يمثل تمويلاً طارئاً منفصلاً، بل يشكل الجزء الثاني من حزمة تبلغ نحو مليار يورو أعلنتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال زيارتها بيروت في أيار 2024. وكانت الحزمة الأولى، بقيمة 500 مليون يورو، مخصصة لعامي 2024 و2025، فيما تغطي الحزمة الجديدة عامي 2026 و2027.1
ومن هنا لا يقتصر السؤال على قيمة المساعدة، بل يتصل بكيفية إدارتها وإنفاقها، وبمدى قدرة الدولة اللبنانية على تحويلها إلى خدمات وإصلاحات ملموسة، بدلاً من بقائها ضمن برامج متفرقة لا يلمس المواطن نتائجها بصورة مباشرة.
ثلاثة محاور للحزمة الأوروبية
بحسب المفوضية الأوروبية، تتوزع الحزمة الجديدة على ثلاثة محاور رئيسية.
الخدمات الأساسية والفئات الأكثر هشاشة
يرتبط المحور الأول بدعم الخدمات الأساسية والفئات الأكثر حاجة، ويشمل قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والمياه، إضافة إلى المساعدات النقدية للعائلات المحتاجة، والأشخاص ذوي الإعاقة، والرعاية الصحية الأولية.
ويتضمن هذا المحور أيضاً دعماً مرتبطاً باللاجئين السوريين، مع تركيز أوروبي على ما يصفه بـ«الحلول الدائمة»، بما في ذلك العودة الآمنة والطوعية والكريمة، بالتوازي مع مساعدة السلطات اللبنانية على تولي مسؤولية أكبر تدريجياً عن الخدمات الأساسية وضمان استدامتها.1
التعافي والإصلاح والأمن
أما المحور الثاني فيتصل بالتعافي والإصلاح وتعزيز الأمن. ويشمل، وفق الإعلان الأوروبي، دعم إصلاح قطاع العدالة، والهيئات الرقابية والتنظيمية، ومجلس النواب، إلى جانب حقوق الإنسان، وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية، وإدارة الحدود، ودعم القطاع الخاص والتعافي الاقتصادي، ولا سيما في المناطق المتضررة من النزاع.1
وهذا المحور هو الأكثر حساسية سياسياً، لأنه يربط بين التمويل وبين مسار إصلاحي يطال مؤسسات الدولة وآليات عملها، وليس فقط تمويل الخدمات أو معالجة الأضرار المباشرة.
المجتمع المدني والثقافة
يركز المحور الثالث على المجتمع المدني والثقافة، ويدعم منظمات تعمل في مجالات المرأة والشباب والأقليات والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلاً عن الشفافية ومكافحة الفساد والمشاركة الديمقراطية والتماسك الاجتماعي وحماية التراث الثقافي.1
ويعكس هذا التوزيع رغبة أوروبية في العمل عبر مروحة واسعة من المؤسسات الحكومية والدولية والمحلية، وهو ما يطرح في المقابل سؤالاً حول موقع الدولة في إدارة هذه البرامج، وحول مستوى التنسيق بينها ومدى خضوعها للرقابة العامة.
الحزمة ليست صندوقاً لإعادة إعمار الجنوب
من المهم التمييز بين الحزمة الأوروبية الجديدة وبين أي تمويل مخصص حصراً لإعادة الإعمار.
فالـ505 ملايين يورو ليست، وفق الإعلان الأوروبي، صندوقاً خاصاً بإعادة إعمار الجنوب، رغم أن الحزمة تتضمن دعماً للتعافي الاقتصادي في المناطق المتضررة من النزاع. وهي تشمل أيضاً الخدمات الأساسية، والإصلاح، والأمن، وإدارة الحدود، ودعم اللاجئين، والمجتمع المدني.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في بلد يحتاج إلى تمويل كبير لإعادة بناء ما دمرته الحرب، ولا سيما في الجنوب. فالمساعدات المخصصة للتعافي أو الخدمات لا تعني تلقائياً توافر تمويل شامل لإعادة الإعمار.
كما أعلنت المفوضية أن التصعيد منذ آذار 2026 أدى إلى نزوح داخلي تجاوز مليون شخص، وأن الاتحاد الأوروبي خصص بصورة منفصلة 100 مليون يورو من المساعدات الإنسانية للبنان خلال عام 2026، لتغطية احتياجات عاجلة تشمل الرعاية الصحية والإيواء والتعليم والحماية والاحتياجات الأساسية.1
وعليه، ينبغي التمييز بين ثلاثة مسارات مختلفة:
حزمة الدعم البالغة 505 ملايين يورو.
المساعدات الإنسانية الطارئة.
أي تمويل مستقبلي مخصص لإعادة الإعمار.
فالخلط بين هذه المسارات قد يؤدي إلى تضخيم التوقعات، أو إلى تقديم الحزمة الأوروبية كما لو أنها تغطي كل احتياجات لبنان المالية والإنمائية.
دعم الجيش وإدارة الحدود
لا يقتصر الدعم الأوروبي على الجانب المالي والاجتماعي، بل يتضمن أيضاً بعداً أمنياً واضحاً.
فقد أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن العمل جارٍ على إعداد مهمة أوروبية جديدة في لبنان لتقديم المشورة والتدريب للقوات المسلحة اللبنانية.1
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار تمويل منفصل. ففي حزيران 2026، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي مساعدة إضافية بقيمة 100 مليون يورو لدعم قدرات الجيش اللبناني عبر «مرفق السلام الأوروبي»، ليرتفع مجموع المساعدات الثنائية المقدمة للجيش من خلال هذه الآلية إلى 182 مليون يورو. وتشمل المساعدات تجهيزات وتدريباً في مجالات السيطرة على الأراضي، والوعي متعدد المجالات، والأمن البحري، وحماية المواقع العسكرية، والرعاية الصحية.2
وبذلك تتضح المقاربة الأوروبية تجاه لبنان: دعم اجتماعي واقتصادي وإنساني من جهة، وتعزيز مؤسسات الدولة الرسمية وقدراتها الأمنية من جهة أخرى.
لكن هذه المقاربة تطرح سؤالاً أساسياً: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تتولى إدارة هذا الدعم ضمن رؤية وطنية موحدة، أم يبقى التمويل موزعاً بين جهات وبرامج متعددة من دون أثر مؤسسي مستدام؟
بعد مليارات المساعدات: أين الدولة؟
يقول الاتحاد الأوروبي إنه قدم للبنان، منذ عام 2011، أكثر من 3.5 مليارات يورو من المساعدات، شملت اللبنانيين الأكثر هشاشة واللاجئين السوريين. وتأتي حزمة المليار يورو الحالية ضمن مسار طويل من التمويل الأوروبي للبنان.1
ومع ذلك، لا يزال البلد يعاني ضعفاً في الكهرباء والمياه والخدمات العامة، واقتصاداً هشاً، وأزمة مصرفية لم تُحسم بصورة نهائية، إضافة إلى مناطق متضررة تحتاج إلى إعادة إعمار وتمويل مستدام.
لذلك لا يكفي السؤال عن حجم الأموال التي تصل إلى لبنان. السؤال الأهم هو: ماذا بقي من أثر هذه الأموال بعد انتهاء البرامج السابقة؟
وهنا تبرز الحاجة إلى شفافية أكبر بشأن:
المشاريع التي ستُموَّل.
الجهات التي ستتولى التنفيذ.
نسبة الأموال التي ستصل مباشرة إلى الخدمات والاقتصاد.
الكلفة الإدارية والاستشارية للبرامج.
آليات الرقابة والتدقيق.
النتائج التي تحققت فعلياً على الأرض.
فالمساعدات قد تنقذ قطاعاً أو تدعم فئة اجتماعية، لكنها لا تبني دولة ما لم تتحول إلى سياسات عامة مستدامة، ومؤسسات قادرة على مواصلة العمل بعد انتهاء التمويل الخارجي.
الإصلاح في مقابل الدعم
لا تقدم بروكسل الحزمة الجديدة بوصفها مساعدة مالية منفصلة عن رؤيتها السياسية للبنان. فالخطاب الأوروبي يربط بوضوح بين التعافي الاقتصادي، والإصلاحات، وتعزيز مؤسسات الدولة، وسيادة القانون، وتحسين الإدارة والمالية العامة.
وكانت العلاقات الرسمية بين الاتحاد الأوروبي ولبنان قد شددت في مراحل سابقة على ضرورة إصلاح الإدارة والمالية العامة، وتعزيز سيادة القانون، وإحراز تقدم يسهّل حصول لبنان على مساعدات دولية إضافية، كما يدعم مساره نحو برنامج مع صندوق النقد الدولي.3
وعليه، فإن الـ505 ملايين يورو ليست شيكاً مفتوحاً للحكومة اللبنانية، ولا تمويلاً بلا شروط سياسية أو مؤسسية. إنها جزء من مقاربة تريد، في الوقت نفسه، حماية الاستقرار الاجتماعي، والتعامل مع ملف النزوح، وتعزيز إدارة الحدود والأمن، ودفع الدولة نحو إصلاحات اقتصادية ومؤسسية.
وقد يختلف اللبنانيون في تقييم بعض الأولويات الأوروبية أو في طريقة إدارة ملف النزوح والعلاقة مع مؤسسات الدولة، لكن ذلك لا يلغي ضرورة طرح السؤال الداخلي: ما الذي ستفعله الدولة اللبنانية بهذا الدعم؟ وكيف ستضمن أن يتحول إلى مصلحة عامة لا إلى برامج متفرقة أو إنفاق لا يخضع للمساءلة؟
الخلاصة
يحتاج لبنان إلى كل يورو يستطيع الحصول عليه في هذه المرحلة، في ظل النزوح والدمار وتراجع قدرة الدولة على تمويل الخدمات. لكن قيمة المساعدة لا تُقاس بحجم الرقم المعلن فقط، بل بقدرتها على إحداث أثر قابل للقياس والاستمرار.
يمكن للـ505 ملايين يورو أن تشكل فرصة حقيقية إذا تحولت إلى مدارس ومراكز صحية وشبكات مياه وحماية اجتماعية وفرص عمل ودعم للمناطق المتضررة وإصلاحات تعيد للدولة قدرتها على العمل.
لكنها قد تتحول أيضاً إلى رقم كبير في بيانات المانحين إذا لم تترافق مع شفافية في الإدارة، وتنسيق بين الجهات، ورقابة مستقلة، ونشر واضح للنتائج.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال اللبناني بعد الإعلان الأوروبي: كم حصلنا؟
بل:
من سيدير هذه الأموال؟
أين ستُنفق؟
ما الحصة التي ستصل مباشرة إلى اللبنانيين؟
ما الذي سيذهب إلى الجنوب والمناطق المتضررة؟
كيف ستُنشر الحسابات والنتائج أمام الرأي العام؟
وما الذي سيبقى بعد انتهاء البرامج؟
فالتمويل الخارجي يستطيع مساعدة لبنان على تجاوز مرحلة صعبة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الدولة. والاختبار لا يقع على أوروبا وحدها، بل على الدولة اللبنانية أيضاً: قدرتها على إدارة الدعم، وتحويله إلى إصلاح، وإثبات أن المساعدة الخارجية يمكن أن تكون أداة لبناء المؤسسات، لا بديلاً دائماً منها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :