كتب رشيد حاطوم
لم يحتج المشهد إلى بيان طويل أو قرار ملزم. كانت عشرات المندوبين كافية ليقوموا ويغادروا قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة فور صعود رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى المنبر، لتتحول تلك المقاعد الفارغة إلى واحد من أبرز وأشدّ مشاهد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة في نيويورك صدمةً ورمزيةً. وتؤكد تقارير متقاطعة أن هذا الانسحاب الجماعي وقع مع بداية كلمته يوم الخميس 24 أيلول 2026، وسط صيحات استهجان وتصفيق من مؤيديه المتبقين، فيما اضطر رئيس الجلسة إلى المطالبة مراراً بإعادة الهدوء إلى قاعة غادرها الضمير قبل أن يغادرها أصحابه.
المشهد لم يكن عفوائياً بالكامل، بل كان نتاج تنسيق دبلوماسي واعٍ. فالبعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة كانت قد دعت، في مذكرة سرية إلى البعثات الأخرى، إلى المشاركة في هذا التحرك الاحتجاجي الرافض لمنح منصة عالمية لصانع الحرب. ومع اقتراب نتنياهو من المنصة، بدأت الوفود بمغادرة مقاعدها تباعاً، حتى بدت مساحات واسعة من القاعة التاريخية فارغة أثناء إلقائه كلمته. بعض المصادر تحدثت عن عشرات المندوبين، فيما أفادت مجلة «فورين بوليسي» بأن أكثر من مئة مندوب غادروا، تاركين خلفهم صورة لا تُنسى لعزلة سياسية تتسع يوماً بعد يوم.
لكن اللافت لم يكن الانسحاب وحده، بل رد فعل نتنياهو نفسه الذي كشف عن هشاشة موقفه. فبدلاً من أن يتجاهل الاحتجاج أو يعتذر عن سياسات حكومته، هاجم المغادرين ووصفهم بـ«الجبناء أخلاقياً»، ودعا من بقي منهم ويريد المغادرة إلى أن يفعل ذلك دون خجل. ثم مضى في خطابه دفاعاً عن عمليات الإبادة والتدمير في غزة والضفة الغربية، مهاجماً منتقديه وعدداً من الدول والشخصيات السياسية، محاولاً تعويض نقص الشرعية الدولية بشعارات القوة الزائفة.
المقاعد الفارغة… الصورة التي تفوقت على الخطاب
في السياسة الدولية، لا يكون الاحتجاج دائماً بكلمة ناطقة. أحياناً تكون مغادرة المقعد، وصمت الكراسي، أكثر وضوحاً وإيلاماً من أي خطاب دبلوماسي مطول.
هذا تحديداً ما منح المشهد ثقله السياسي والأخلاقي. نتنياهو جاء إلى الأمم المتحدة ليعرض رواية حكومته الدموية أمام العالم، لكن الكاميرات وثقت بالتوازي وفوداً تغادر القاعة رفضاً للاستماع إليه. وبذلك لم تعد الصورة مقتصرة على رئيس حكومة يقف أمام منبر الأمم المتحدة، بل أصبحت أيضاً صورة لمسؤول يلقي خطابه أمام عدد كبير من المقاعد التي أخلاها أصحابها احتجاجاً عليه. وكالة أسوشيتد برس وثقت كذلك خلو مقاعد الوفدين الفلسطيني والإيراني تماماً، في إشارة واضحة إلى أن صوت الضحايا والمقاومة هو الصوت الوحيد المسموح به في هذا السياق.
ويأتي ذلك في سياق انتقادات دولية واسعة ومتصاعدة للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية. وكانت كلمات عدد من قادة أوروبا والشرق الأوسط في الجمعية العامة قد تضمنت انتقادات حادة لإسرائيل قبل خطاب نتنياهو، بحسب شبكة CBS، مما خلق مناخاً دولياً رافضاً لمنحه أي شرعية إضافية.
مشهد يتكرر… ولكن بصورة أوسع وأكثر حدة
المفارقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها نتنياهو انسحاب وفود من قاعة الجمعية العامة. السجل الرسمي للأمم المتحدة يشير إلى أن خطابه في 26 أيلول 2025 قوبل أيضاً بانسحاب عدة وفود وبردود فعل متباينة داخل القاعة. ما حدث في 2026، إذاً، يأتي بعد سابقة مشابهة في الدورة السابقة، لكن مع فرق جوهري: التقارير هذه المرة تؤكد خروج أعداد أكبر بكثير من المندوبين، مما يدل على اتساع دائرة الرفض الدولي لتجاوزات إسرائيل.
وهنا تتجاوز دلالة المشهد الأشخاص الذين خرجوا من القاعة إلى جوهر العمل الدبلوماسي. فالجمعية العامة هي المنبر الذي تسعى الدول من خلاله إلى مخاطبة المجتمع الدولي وإظهار حضورها الدبلوماسي واحترامها للقانون الدولي. عندما يختار دبلوماسيون مغادرة هذا المنبر أثناء كلمة رئيس حكومة، فإنهم يستخدمون إجراءً رمزياً معلناً للتعبير عن رفضهم المطلق لمواقفه وسياساته، حتى وإن لم يكن الانسحاب قراراً ملزماً للأمم المتحدة أو إجراءً قانونياً ضد إسرائيل. إنه حكم غيابي صادر عن ضمير الجماعة الدولية.
بين الداخل والخارج: عزلة مزدوجة
خطاب نتنياهو لم يكن منفصلاً أيضاً عن السياسة الإسرائيلية الداخلية الهشة. فهو جاء قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، ورويترز ربطت الخطاب بمحاولته الدفاع عن سجل حكومته الكارثي في وقت يواجه فيه انتقادات دولية شديدة ويخوض حملة انتخابية في الداخل تعتمد على الترهيب والتحريض.
لهذا حمل المشهد صورتين متوازيتين ومؤلمتين: نتنياهو يخاطب جمهوره ومؤيديه بلغة تحدٍّ وعناد، فيما يختار عشرات الدبلوماسيين الرد عليه بمغادرة القاعة، محولين ظهورهم إلى موقف سياسي بحد ذاته.
حين تتحدث الصور بصوت أعلى من الكلمات
قد تُنسى تفاصيل كثيرة من الكلمات الطويلة التي تُلقى كل عام في الجمعية العامة، وقد تتبدل الحكومات وتتناوب الأحزاب، لكن الصور السياسية القوية تعيش أطول من النصوص، وتترك أثراً عميقاً في ذاكرة التاريخ.
وفي نيويورك هذه المرة، لم تكن الصورة فقط لنتنياهو واقفاً على منبر الأمم المتحدة يحاول تبرير جرائمه، بل كانت أيضاً صورة للوفود وهي تنهض تباعاً وتغادر، وللمقاعد التي بقيت فارغة أمامه كعقاب رمزي صارم.
إنها ليست قراراً دولياً ولا عقوبة قانونية ملزمة، ولا ينبغي تحميلها أكثر مما تعنيه رسمياً. لكنها رسالة سياسية علنية يصعب تجاهلها أو التستر عليها: جزء كبير من الحاضرين اختار ألا يستمع إلى الخطاب أصلاً، وحوّل مغادرة القاعة إلى موقف بحد ذاته. إنها رسالة تقول للعالم: هناك حدود لما يمكن قبوله من خطاب الحرب، وهناك لحظة يصبح فيها الصمت والمغادرة هما الرد الأدعى والأصدق على من يريد تحويل الأمم المتحدة إلى منصة لتمجيد الإبادة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :