"في غانغرينا الدولة الوطنية : مريضٌ لا يُشفى ، ولا يُترَك ليموت"

كتب عضو الكتلة الوطنية السورية الدكتور سمير التقي في صحيفة النهار اللبنانية مقالاً بعنوان  


"في غانغرينا الدولة الوطنية : مريضٌ لا يُشفى ، ولا يُترَك ليموت" 
عام 1835 ، قال قيصر روسيا نيقولا الأول لسفير بريطانيا

هاملتون سيمور عن الدولة العثمانية : « بين أيدينا رجل مريض » و « ستكون مصيبة كبرى ، إن ذهب من أيدينا ، قبل أن تُتَّخذ الترتيبات اللازمة » . 
لم يخشَ القيصر على المريض ، بل خشي من موته قبل أن يتفق الطامعون . وبعدئذ استمرت الدولة العثمانية خمساً وستين عاماً . ولم يكن لتركيا أن تحيا بعدها إلى أن قام أتاتورك بالقطيعة مع العثمانية وتأسيس عصبية قومية جديدة . 
أمثلة كثيرة في شرقنا ، على غانغرينا الدولة الوطنية ، التي لا يسمح لها بالانهيار ، لكن لا تترك لحالها لتشفى ! 
وتبدو سوريا بالذات في وضع هو الأخطر . تتعفن فيها الأنسجة ، بينما يواصل القلب ضخّه ، وتبقى بطاقة الهوية سارية . 
الدولة مجوّفة محنطة ، فلا هي بفاشلة ، ولا مدفونة ، ولا متعافية ، بل تترك كخيال مآتة تحتفظ بقشرة قانونية : العَلَم ، المقعد الأممي ، العملة ، الشخصية الدولية ، ختم الجمارك ، أما وظائفها الداخلية فتتهالك واحدة تلو الأخرى . كمريض بالانعاش يبقونه حياً لا رحمةً به ، بل لحسابات شركات التأمين : فاستخراج الريع من قشرة فارغة أرخص بكثير من الضم الصريح أو الاحتلال ، أو التقسيم . 
ظهر نهج تحنيط الدول المتفسخة منذ نهاية الحرب الباردة . فلقد ضاق الدافع الاقتصادي لاستعمار الدول الضعيفة ، لينحصر في هيمنة القوة : حقل،  معبر ، أنبوب ، ميناء ، خط تهريب . الاحتلال مكلف للمستعمرين ، والإدارة مسؤولية . 
بالمقابل بقي النظام الدولي الوستفالي يحتفظ بوجود قانوني لدول عاجزة عن أبسط وظائفها ؛ لتبقى الحدود مجمّدة ، والدول في غرفة الإنعاش ، ريثما تتم القسمة بين المتدخلين عبر الوكلاء والعملاء وبلطجية أمراء الحرب . 
وصف روبرت جاكسون هذه الحالة « بالسيادة السلبية » : يغنيك اعتراف الآخرين عن تحقيق وظائف الدولة داخلياً ! 
وما بدا في الحالات الأفريقية استثناءً ، صار في منطقتنا وفي الفضاء الشامي خاصة ، قاعدةً تُدار عن سابق تصميم . 
ليس هذا انهياراً . إنه تحنيط مسبق متعمَّد لجسد يتفسخ . فلا يعود التفسخ مجرد عرض للفوضى ، بل شرطاً من شروط المعادلة في الدولة المجوفة ، فتضمن التبعية دون الحاجة لوصاية معلنة . 
في حين تعمل الميليشيات والسلطات الموازية بلا عقاب ، وتلتهم الحقل القسري من الدولة ، بينما تتآكل مؤسساتها الرسمية . ذلك أن تعافي البلاد يشلّ قبضة المتدخلين : قضاءٌ يسائل العقود ، وجيشٌ وطني يستند لعقد وطني جامع يحتكر السلاح . 
وكذا حصل في الباب العالي . عام 1881 أصدر جملة مراسيم احتفظت الدولة العثمانية بسيادتها وسلطانها وعلمها ومقعدها بين الدول ، وسلّمت مقابل ذلك احتكارات الملح والتبغ ، ورسوم الطوابع والكحول والصيد والحرير ، وحصة من الجمارك ، إلى مجلس يمثل دائنيها الأوروبيين . ليصبح عدد موظفي « إدارة الدين العام العثماني » أكثر من موظفي وزارة مالية . 
فالتعفّن ليس غياب الإدارة ؛ بل تصبح الإدارة إدارة للتعفن بعد أن استبدلت الإدارة سيدها بيد خارجية عليا . 
لا يكمن سؤال السيادة في سوريا فيمن يجلس على الكرسي ؟ بل فيمن يدفع الرواتب ، ويمنح رخصة العنف أو يسحبها ، من يدير المعابر ويحدد الرسوم ، ولمصلحة من ؟ 
لكل قوة متدخلة في سوريا سببٌ وجيه كي تمنع انهيار البلاد ! 
تريد أنقرة عمقاً أمنياً استراتيجياً ، لكنها لا تريد تحمل كلفة الإدارة والإعمار . 
تريد إسرائيل ضمان الأمن المطلق لحدودها عن نشاط الجهاديين ، لكنها لا تريد فراغاً على حدودها يعيد نمو هذه الميليشيات . 
أما واشنطن فتعالج سوريا كمنصة لمعاركها الاستراتيجية . لذلك تكتفي أمريكا بدرء ما لا تريد وتحجم عن تقديم ما تحتاجه البلاد . 
فيما تنتظر موسكو كصياد فرص ينوس في كل الاتجاهات . 
لا أحد منهم يتكبد ثمن الشفاء، ولا أحد يحتمل ثمن الموت . 
وحدها دول الخليج تريد نفوذاً يبعد الاصطفاف الإيراني عن بلاد الشام ، لكنها تحتاج لقضاء نافذ وسجل عقاري موثوق يسمح بتطوير استثماراتها . إنها تحتاج لدولة وطنية سورية . 
لذلك تصبح قضية الوحدة والاجماع الوطني في سوريا قضية محورية لخلق توافق وطني على الحقوق والواجبات ولمحاصرة الغاغرينا التي تتجلى بقانون يفسر تعسفاً واعتباطاً ، وقاضٍ لا يُنفَّذ ما حكمه ، وعملة تقرر قيمتها عند المعابر ، وعامل ينتظر راتباً ، وتاجر يرجو حماية من مسلّح ! 
تلك ثلاثة مصادر للدخل لا يجمعها عقد اجتماعي واحد . وتلك هي أعراض انقطاع التروية عن الدولة الوطنية : لا يموت الجسد دفعة واحدة ، بل يفقد الإحساس بأطرافه طرفاً بعد طرف ، ويعتاد غيابه . 
لعل منطقي يبدو تشاؤماً سابق لأوانه . فالعقوبات تُرفع والسفارات تُفتح ، والمقعد العربي والدولي استُعيد ، ومؤتمرات إعادة الإعمار تعقد ووعودها بالمليارات تُتلى . إنها حجة جدية : فهكذا تبدو بدايات التعافي فعلاً بعد حرب طويلة .
لكن كل بند نقطة في هذه الحجة المضادة هي مجرد نوايا وليست حُكماً وتقييماً . 
الاعتراف يعيد قشرة والانتماء للنظام الدولي ليس سوى فرصة لكنه لا يصنع وطناً . العقد الاجتماعي الوطني وحده ، يعيد الدم إلى الأطراف التي تنهشها الغانغرينا . ويا لها من عافية تُقاس بعدد السفارات المفتوحة ، لا بعدد المعامل الوطنية والمحاكم العاملة ! 
رأى ابن خلدون في هرم الدول طوراً طبيعياً ، لا يُعالَج ، بل يُستكمل : ليقوم مكانها جسم جديد يملك عصبية حية . 
فكيف لنا انتاج عصبية حية جامعة جديدة بغير عقد اجتماعي وسيادة القانون . 
يترك النظام الدولي والإقليمي الجسد في غرفة الإنعاش ليتعفن فلا يتحقق هرمُ ابن خلدون ، ولا السيادةُ الوطنية لدولة وستفاليا . فبعد أن مات القديم بلا رجعة ، يبقى الرهان رهناً بالسوريين وحدهم . 
إذ لا تعالج الغانغرينا بالمسكّنات المستوردة ولا بتغيير الضمادات ، بل تعالج بإعادة التروية بالوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي الجديد . البتر في اللغة السياسية تقسيمٌ يرفضه الجميع ؛ لكن إعادة التروية والعقد الوطني يرفضه المتدخلون أيضاً ، لأن دولة وطنية فاعلة ستعيد التفاوض على كل امتياز انتُزع من سيادتها . 
إذ لا تولد التسويات في هذا الإقليم ، رحمة بالمريض ، بل تولد من صراعات المتدخلين الذين لا يتفقون إلا على : "إبقاء المريض على قيد الحياة" ، ليواصل كل متدخل إسناد الأطراف التي يحميها ويسمّي إسناده إنقاذاً ، فيما تواصل الغانغرينا تقدمها الزاحف من تحت الضماد . 
بدأ التفعن في سوريا منذ عقود وانسدّت شرايين البلاد بالمظالم والتعسف الوحشي والتفكك في دولة شمولية ولدت مستحيلة أصلاً . 
والآن لا مخرج لسوريا إلا باستعادة شرايين الدولة والمجتمع ! إلا أن يقلب السوريون وحدهم سؤال نيقولا الأول ! فبدون عصبيتهم الوطنية الجامعة لن تتعافى سوريا ولن يتفسخ القديم . 
فأين أنت يا أتاتورك ؟
- بقلم سمير التقي .

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي