كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
إذا سألت اللبناني اليوم عمّا يشغله، لن تسمعه يتحدث عن التعديل الوزاري، ولا عن هوية الوزير الذي سيبقى أو يغادر، ولا عن الحسابات الضيقة التي تتحكم بالحقيبة هنا والكرسي هناك. ستسمع سؤالا أبسط وأقسى في آنٍ واحد: كيف سنُعيل عائلاتنا؟
كيف سيدفع الموظف فاتورته؟ كيف سيشتري المزارع سماده ثم يجد سوقاً لمحصوله؟ وكيف تؤمّن العائلة المازوت حين يضرب الصقيع؟ أسئلة تختصر مأساة شعب يرى الدولة منشغلة بإعادة ترتيب صفوفها، بينما هو يحسب ثمن البقاء.
انشغلت الساحة السياسية أخيراً بحديث التعديل الوزاري، قبل أن تشير معلومات صحفية إلى تراجع حظوظه تحت ضغط الحسابات السياسية، واستمرار الاعتراضات على أداء بعض الوزراء. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يحتاج لبنان فعلاً إلى تبديل وزراء، أم إلى تغيير جذري في طريقة إدارة الدولة؟ وهل فتح معركة الأسماء الآن أولوية وطنية، أم أنه مجرد مناورة لتحويل النقاش من "ماذا أنجزتم؟" إلى "من سيدخل ومن سيخرج؟"
قد لا يكون الهدف حرف الأنظار عن الإخفاقات، لكن النتيجة واحدة إذا طغت أخبار التعديل على قضايا تمس حياة الناس مباشرة. فالمواطن لا يتدفأ بتعديل وزاري، والمزارع لا يصرف تفاحه بتغيير حقيبة، وأهل الجنوب لا يعودون إلى بيوتهم ببيان سياسي.
انهيار اقتصادي يدفع ثمنه الفقراء
الأرقام الاقتصادية ليست وجهة نظر سياسية، بل واقع قاسٍ. يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% عام 2026، ويربط ذلك بتجدد الصراع والأضرار والنزوح.
أما صندوق النقد الدولي، فقد أكد بعد زيارته الأخيرة لبيروت وجود انكماش كبير وارتفاع التضخم إلى مستويات مرتفعة، مع اتساع عجز الحساب الجاري بسبب تكاليف الطاقة.
بعض الخبراء الاقتصاديين يذهبون أبعد، محذرين من حالة "ركود تضخمي" قد تصل نسبة الانكماش فيها إلى 7% مع تضخم يتجاوز 20% [5]. هذا يعني أن الاقتصاد متوقف والوظائف تتقلص، لكن الأسعار تواصل الارتفاع. قد يظهر الدولار استقراراً على الشاشات، لكن جيب المواطن يخبر قصة مختلفة تماماً؛ فالأسعار ترتفع والقوة الشرائية تنهار.
وفي الخلفية، تطفو فوق رؤوس اللبنانيين سحابة الأزمة المصرفية التي دخلت عامها الثامن. ومع تأجيل حسم قانون معالجة الفجوة المالية إلى العام المقبل، تبقى أموال ملايين المودعين عالقة، بينما يقتصر ما سيُعاد لهم هذا العام على جزء يسير من خسائرهم.
هذا التجميد الطويل لأموال الطبقات الوسطى يفاقم العجز الشرائي، ويجعل أي ارتفاع في أسعار المحروقات أو الغذاء ضربة قاصمة لمن لم يعد يملك سوى مدخراته المجمدة.
المزارع: ينتج ليخسر
الفئة التي تختصر مأساة هذا الاقتصاد هي فئة المزارعين. رغم توقع وزارة الزراعة موسم تفاح واعد بنحو 200 ألف طن، إلا أن الوفرة قد تتحول إلى كارثة غياب السوق. المزارع دفع مسبقاً ثمن السماد والري واليد العاملة، ليقف في النهاية رهينة لتاجر يحدد له السعر، أو لسوق خارجية قد تتأخر.
ولا تقتصر معاناة المزارع على غياب السوق فحسب، بل تمتد إلى أرضه التي دمّرها القصف. فقد كشفت تقييمات رسمية بالتعاون مع الأمم المتحدة عن تضرر نحو 25 ألف مزارع وتأثر عشرات آلاف الهكتارات الزراعية في الجنوب جراء التصعيد الأخير، فضلاً عن ضربات موجعة لقطاع الصيد الساحلي . لقد أصبح المزارع الجنوبي رهينة لحرب لا علاقة له بها، يدفع فيها ثمن الدمار وثمن الكساد معاً.
الدولة مطالبة بالتدخل قبل القطاف: ضبط جودة الأسمدة، خفض كلفة الإنتاج، وبناء سياسة تصدير ثابتة. أن نطلب من المزارع أن يستدين ويتحمل المخاطر وحده، ثم نقول له عند الموسم "ابحث عن مشترٍ"، ليس سياسة زراعية، بل إهمال ممنهج. خسارة المزارع تعني هجرة للأرض، وتراجعاً للدورة الاقتصادية، واعتماداً أكبر على الاستيراد.
التدفئة: امتياز لمن يستطيع الدفع
الأزمة الأكثر خطورة التي تدخل البيوت الجبلية خلال أسابيع هي التدفئة. ارتفع سعر صفيحة المازوت من 13.95 دولاراً مطلع العام إلى نحو 30.86 دولاراً حالياً، أي زيادة تجاوزت 121%. عائلة تستهلك 16 صفيحة شهرياً كانت تدفع 223 دولاراً، فأصبحت الفاتورة اليوم قرابة 495 دولاراً للتدفئة وحدها.
في المناطق المرتفعة كالشوف وعاليه والمتن والبقاع، التدفئة ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء. عندما يصبح الدفء مرتبطاً بالقدرة على دفع مئات الدولارات، نحن أمام أزمة اجتماعية خانقة. والأسوأ أن المازوت يدخل في كل شيء: المولدات، النقل، والزراعة، فترتفع معه أسعار السلع والخدمات كلها.
الجنوب: حيث الأمن جزء من الاقتصاد
فوق هذه الأعباء، يبقى الجنوب جرحاً مفتوحاً. التوتر الأخير مع قوات الاحتلال في دير ميماس، وعمليات الهدم والتفجير في بلدات مثل ميس الجبل والمنصوري، تذكرنا بأن الأمن والاقتصاد وجهان لعملة واحدة. البيت المدمر ليس خبراً أمنياً فحسب، بل عائلة تحتاج لإعادة إعمار. الأرض المقفوعة ليست نقطة عسكرية، بل موسم زراعي ضائع.
لا استثمار ولا سياحة ولا إنتاج طبيعي ممكن في بيئة تعيش تحت الخوف والهدن الهشة. معالجة الوضع الأمني في الجنوب شرط أساسي لأي تعافٍ حقيقي، فكيف يأتي المستثمر إلى بلد لا يعرف مصيره غداً؟
حكومة أمام المرآة
تحول الحديث عن التعديل الوزاري إلى أولوية تطغى على كل ما عداها يُعدّ استفزازاً للرأي العام. التغيير مطلوب إن كان هناك تقصير، لكن لبنان جرّب كثيراً تغيير الأشخاص مع بقاء النهج نفسه. ماذا ينفع تغيير وزير الطاقة والكهرباء تبقى أزمة؟ وماذا ينفع تبديل الحقيبة والراتب لا يصل إلى نهاية الشهر؟
المطلوب ليس إنقاذ صورة الحكومة، بل إثبات قدرتها على تقديم حلول حقيقية. صندوق النقد نفسه يؤكد الحاجة لموازنة بين الانضباط المالي والإنفاق الاجتماعي وإعادة الإعمار لحماية المجتمع الذي يدفع الثمن.
الشتاء الحقيقي
لبنان يقف أمام شتاء سيكون امتحاناً سياسياً واجتماعياً بقدر ما هو اقتصادي. من الصعب إقناع مواطن يرتجف من البرد بأن الأولوية هي معرفة اسم الوزير الجديد، أو إقناع جنوبي ينظر إلى منزله وهو يُهدم بأن الأمور تحت السيطرة.
هذه البلاد لا ينقصها الكلام، بل تنقصها جعل حياة الناس جدول أعمال للدولة. أن يكون التفاح أهم من التصريحات، والتدفئة أهم من توزيع المقاعد، وإعادة إعمار الجنوب أهم من المناكفات.
اللبناني لا يريد تعديلاً في أسماء الوزراء، بل تعديلاً في حياته: راتباً يكفي، وكهرباء مستقرة، ومازوتاً لا يجبره على الاختيار بين الدفء والطعام، وجنوباً آمناً يسكنه أهله. وإذا استمر النقاش حول الكراسي على حساب هذه القضايا الأساسية، يحق للشعب أن يسأل: هل السلطة منشغلة بأزمة لبنان، أم بمنافساتها الداخلية؟ فالشتاء المقبل سيرصد قدرة الدولة على الشعور بمعاناة شعبها قبل أن يفقد هذا الشعب آخر ما تبقى لديه من صبر.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :