من الآبار إلى المصافي... هل يدخل العالم مرحلة شحّ المشتقات النفطية؟

من الآبار إلى المصافي... هل يدخل العالم مرحلة شحّ المشتقات النفطية؟

لم تعد المخاوف في أسواق الطاقة مرتبطة فقط بالسؤال التقليدي عن سعر برميل النفط وإلى أي مستوى يمكن أن يصل، بل بدأت تنتقل إلى مكان أكثر حساسية في سلسلة الإمداد: هل تصل الكميات الكافية من ​النفط الخام​ إلى المصافي، وهل تستطيع تأمين المشتقات التي تحتاج إليها الأسواق بالكميات المطلوبة؟

 
 
هذا التحول يأتي في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تضغط على طرق نقل الطاقة في الشرق الأوسط، بالتوازي مع الضغوط التي تعرضت لها منشآت التكرير الروسية نتيجة الحرب الروسية–الأوكرانية، ما جعل الأسواق أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع سعر الخام. فقد حذرت ​الوكالة الدولية للطاقة​ هذا الشهر من اتساع فجوة الإمدادات خلال العام 2026، مع تأخر عودة التدفقات الخليجية إلى مستوياتها الطبيعية، فيما تشير بيانات حركة الملاحة إلى استمرار الاضطرابات الكبيرة في ​مضيق هرمز​.
 
من البرميل إلى المشتقات... سلسلة تحت الضغط
وفي هذا السياق، يشرح الخبير الاقتصادي ​جاسم عجاقة​ لـ"النشرة" أن النفط الذي يتم استخراجه من الأرض لا يصل بصورته الخام إلى المستهلك، بل تبدأ رحلة أخرى فيما بعد، "فهو حتمًا سيذهب إلى مصفاة تكرير، الّتي ستجزّئه إلى عدة أنواع من المحروقات".
 
وهنا تكمن أهمية الفصل بين سوق النفط الخام وسوق المشتقات النفطية. فوجود النفط في الأسواق لا يعني بالضرورة أن البنزين والديزل وبقية المشتقات ستكون متوافرة بالكميات والأسعار نفسها، لأن هناك سلسلة كاملة تفصل بين الاستخراج ووصول الوقود إلى المستهلك النهائي.
 
ويلفت عجاقة إلى أن الشركات تتأثر بأي انقطاع يحصل ضمن هذه السلسلة المترابطة. وبالتالي، فإن أي اضطراب في إحدى هذه الحلقات يمكن أن ينعكس على الكميات المتوافرة في السوق.
 
وفي المقابل، يمكن لمنتجين آخرين أن يعوّضوا جزءًا من الكميات التي تتعطل. ويشير عجاقة في هذا الإطار إلى ​الولايات المتحدة​، في وقت تشهد فيه سوق النفط تحركات لإضافة مصادر إنتاج جديدة. وكانت الولايات المتحدة و​فنزويلا​ قد توصلتا أخيرًا إلى ترتيبات جديدة تفتح المجال أمام استثمارات أميركية أوسع في القطاع النفطي الفنزويلي، فيما يتوقع أيضًا ارتفاع إنتاج عدد من المنتجين خارج "أوبك" خلال المرحلة المقبلة.
 
المصافي أمام معادلة العرض والطلب
لكن المشكلة لا تتوقف عند كمية النفط الخام الموجودة في السوق. ويشير عجاقة إلى وجود أنواع وأسعار مختلفة له، تبعًا لمواصفاته، وهو ما ينعكس بدوره على عملية التكرير وكلفتها. ومن هنا ينتقل النقاش من سؤال توافر الخام إلى سؤال آخر: إذا وصل النفط إلى المصافي، فماذا ستنتج وبأي كميات؟
 
ويشرح أن مصفاة التكرير تحصل على الخام وتحوّله إلى مجموعة من المشتقات، إلا أن الكميات التي تنتجها من كل مشتق تتأثر بظروف السوق والعرض والطلب وهوامش التكرير. ويقول إن المصافي تميل بطبيعة الحال إلى توجيه إنتاجها نحو المنتجات التي تحقق لها هوامش أفضل، وفق حركة الأسواق والأسعار العالمية.
 
وتظهر أهمية هذه النقطة بوضوح في سوق الديزل حاليًا. فقد قفزت هوامش تكريره منخفض الكبريت في آسيا إلى أكثر من 87 دولارًا للبرميل، وهو مستوى قياسي، مقارنة بنحو 22 دولارًا قبل الحرب، بحسب بيانات LSEG التي نقلتها رويترز. ودفع ذلك المصافي الآسيوية إلى زيادة عمليات التكرير وإنتاج الديزل، في محاولة للاستفادة من ارتفاع الهوامش وتلبية الطلب في أسواق تعاني نقصًا في الإمدادات. وهذا يعني أن سعر النفط الخام وحده لم يعد كافيًا لفهم ما يدفعه المستهلك مقابل المشتقات النفطية.
 
الخطر يتجاوز السعر...
فالاضطراب قد يبدأ قبل وصول الخام إلى المصفاة نتيجة مشاكل الإنتاج أو النقل، وقد يحدث بعد التكرير بسبب تراجع إنتاج مشتق معين أو اضطراب طرق الشحن إلى الأسواق النهائية. وفي الحالتين يمكن أن تنخفض الكميات المتاحة وترتفع الأسعار حتى من دون حصول نقص كامل في النفط الخام.
 
وهو ما يختصره عجاقة بالإشارة إلى أنه من الممكن أن تصبح إحدى المشتقات أصعب في الحصول عليها إذا خفّضت المصافي الكميات المنتجة منها. وهذا، بحسب شرحه، لا يعني بالضرورة أن المادة ستنقطع كليًا من الأسواق، وإنما أن نقص العرض مقارنة بالطلب سيؤدي في الظروف الطبيعية إلى ارتفاع سعرها.
 
والأسواق بدأت بالفعل تظهر هذا الانفصال النسبي بين الخام والمشتقات. ففي 18 أيلول استقر خام برنت عند 104.87 دولارات للبرميل، فيما أشارت رويترز إلى أن مشكلات طاقة التكرير عالميًا، إلى جانب اضطرابات الإمدادات، دفعت أسعار منتجات أساسية مثل الديزل إلى مستويات أعلى بكثير.
 
كذلك، لم تعد كلفة استخراج البرميل وتكريره وحدها هي المشكلة. فطرق وصوله باتت جزءًا متزايدًا من المعادلة. ومع الاضطرابات في مضيق هرمز، لجأت شركات ومنتجون إلى عمليات النقل من سفينة إلى أخرى قبالة عُمان للحفاظ على التدفقات، إلا أن هذه الآلية رفعت كلفة الشحن في بعض الحالات إلى أكثر من 30 دولارًا للبرميل.
 
ولا تتوقف تداعيات أي شحّ في المشتقات النفطية عند محطات الوقود. فالديزل، على سبيل المثال، يدخل مباشرة في حركة الشاحنات و​النقل البحري​ وبعض الأنشطة الصناعية وتوليد الكهرباء، ما يعني أن ارتفاع كلفته أو تراجع الكميات المتوافرة منه يمكن أن ينتقل سريعًا إلى كلفة نقل السلع والإنتاج والتجارة. وهنا تصبح أزمة المشتقات أوسع من أزمة طاقة بحد ذاتها، إذ يمكن أن تتحول إلى عامل ضغط إضافي على الأسعار والتضخم، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على استيراد الوقود.
 
من هنا، تبدو أزمة الطاقة الحالية مختلفة عن أزمات ارتبطت بصورة أساسية بقفزة في سعر برميل النفط. فالسوق تواجه في الوقت نفسه مخاطر على استخراج الخام ونقله، وقدرة المصافي وخياراتها الإنتاجية، وتوافر المشتقات، وطرق إيصالها إلى المستهلك.
 
وبالتالي، فإن السؤال الذي قد يفرض نفسه خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: إلى أيّ مستوى سيصل سعر النفط؟ بل أيضًا: هل ستبقى المشتقات التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي متوافرة بالكميات المطلوبة، وبأي كلفة ستصل إلى المستهلك؟
 
 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي