كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
لم تكن انتخابات 2022 مجرد استحقاق برلماني عابر، بل كانت لحظة ارتداد تاريخية قصيرة الأمد، حاول فيها الشارع اللبناني أن يرسل صوته النظيف إلى مجلس النواب، بعيداً عن منطق الزعامات الموروثة والمكائن الانتخابية المشبعة بالفساد. جاءت موجة «التغيير» كصدى لأول انفجار حقيقي في جدار العزل الذي فرضته الطبقة السياسية لعقود. لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، بعد أن اجتاحت المنطقة عواصف الحروب والتحولات الإقليمية، هو: ماذا بقي من تلك الموجة عندما اصطدمت بموجات الدماء والنار؟ وهل تحول «التغيير» من مشروع تحرري إلى واجهة جديدة لإعادة إنتاج السلطة القديمة بأسماء مستحدثة؟
الإجابة تكمن في قراءة المسارات المتباينة لنواب هذه الموجة، حيث نجد نموذجين متقابلين تماماً: نموذج إلياس جرادي وحليمة قعقور الذين حافظا على جوهر خطابهما المدني والوطني رغم ثقل المسؤولية، ونموذج آخرين مثل مارك ضو ووضاح صادق الذين استغلوا زخم الشارع لتثبيت حضورهم السياسي، ثم انقلبوا لاحقاً ليصبحوا من أشد المدافعين عن خيارات الدولة الحالية التي تتقاطع مع الأجندات الخارجية، بل وصل بعضهم إلى حد تبرير التطبيع مقابل مصالح اقتصادية أو انتخابية.
جرادي وقعقور: حين يصبح الموقف مكلفاً
لم يدخل إلياس جرادي، طبيب العيون وابن إبل السقي، المجلس محمولاً على أكتاف زعيم، ولا حليمة قعقور، الأستاذة الجامعية والقانونية الدولية، راكبة على ظهر شبكة مصالح. جاء الاثنان من رحم المعاناة؛ جرادي الذي عرف السجن في معتقل الخيام عام 1986 تحت الاحتلال الإسرائيلي، ويعرف معنى فقدان البصر والمعنى معاً، وقعقور التي حملت حقوق الإنسان كأداة للمساءلة لا كشعار للتسويق.
الامتحان الحقيقي لهما لم يبدأ يوم الاقتراع، بل بدأ يوم سقطت القذائف. عندما انفجرت أجهزة الاتصال في الجنوب عام 2024، لم يقف جرادي في المنصة يلقي خطابات، بل عاد إلى غرفة العمليات. وثقت وسائل الإعلام كيف كان يتنقل بين المصابين لساعات، ينقذ أبصار الشباب الذين فقدوها بسبب حرب لم يطلبوها، مكتفياً بساعتين من النوم. هنا، لم تكن «المقاومة» كلمة تُقال، بل كانت فعل إنساني مباشر. وفي جلساته البرلمانية لاحقاً، لم يتردد في القول إن «التفاوض تحت التهديد ساقط»، وإن من لا يتحمل مسؤولية المواجهة لا يحق له الجلوس في مقعد الحكم. موقف واضح، مكلف، وغير قابل للتأويل.
أما حليمة قعقور، فقد اختارت طريقاً مختلفاً لكنه بنفس الصرامة. بدلاً من الشعارات الفارغة، ذهبت بالأرقام والدراسات إلى المؤسسات الأوروبية والأممية. جالت على مراكز النزوح، وجمعت بيانات الأضرار، وطورت مبادرات لإصلاح الإدارة العامة تعتمد على مؤشرات الأداء لا على الولاءات. والأهم من ذلك، عندما اقتربت من منطقة الخطر – العلاقة مع النفوذ الخارجي – لم تصمت. في مداخلتها حول «اتفاق الإطار»، اعترضت علناً على بنود تمس بالسيادة، وسألت مباشرة عن موقف الحكومة من تصريحات السفير الأميركي التي رأت أنها تشرعن العدوان. موقف قانوني وسياسي دقيق، يثبت أن «التغيير» الحقيقي لا يخشى غضب السفارات عندما يتعلق الأمر بكرامة الوطن.
ضو وصادق: حين يتحول «التغيير» إلى غنيمة
على الجانب الآخر من المشهد، تقف شخصيات أخرى كانت قد تسلقت منصة «التغيير» في 2022، لكنها سرعان ما كشفت وجهها الحقيقي عندما أصبحت الظروف مناسبة. النائب مارك ضو، الذي كان يُروج لنفسه كصوت مستقل، وجد نفسه سريعاً في خندق الدفاع عن خيارات حكومية تتقاطع مع إسرائيل. بل إنه ذهب أبعد من ذلك، حين ربط بين حقوق المودعين وبين «السلام»، وكأن استعادة أموال الناس المغتصبة مشروطة بتوقيع اتفاقيات تطبيع! هذا المنطق ليس تغييراً، بل هو تجارة سياسية رخيصة تستغل معاناة المواطنين كورقة ضغط لفرض أجندة خارجية.
النائب وضاح صادق بدوره، الذي قدم نفسه كصوت عقلاني ومستقل، أصبح اليوم من أشد المنتقدين لمن يتحدثون عن «العمالة» لصالح إسرائيل، بينما هو نفسه يدافع عن قرارات حكومية يرى فيها كثيرون تنازلاً عن السيادة. انتقاداته لحزب الله وللسلاح تأتي في سياق اصطفاف جديد مع قوى دولية وإقليمية، تجعل منه جزءاً من منظومة الضغط على الداخل اللبناني، لا صوتاً مستقلاً يبحث عن مصلحة البلد.
الفرق بين الشعار والمبدأ
هنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى. لقد أثبتت تجربة السنوات الأخيرة أن «التغيير» ليس عنواناً انتخابياً يمكن شراؤه بالوعود، بل هو سلوك يومي يتم اختباره في أصعب اللحظات. جرادي وقعقور بقيا على العهد لأنهما فهمتا أن النيابة خدمة لا سلطة، وأن الكلمة الوطنية لها ثمن يجب دفعه. أما آخرون، فاكتشفوا أن «التغيير» مجرد باب للدخول إلى نادي الصفوة القديم، حيث تُباع المبادئ وتُشترى الولاءات.
في زمن لبنان الراهن، حيث تتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، يصبح التمييز بين من يمثل ضمير الأمة ومن يمثل مصالح الضمائر المستأجرة أمراً بالغ الأهمية. ربما لهذا السبب، عندما يهدأ ضجيج الحملات الانتخابية، يبقى السؤال الأبسط والأصعب:
ليس من قال إنه «تغييري» في الانتخابات؟
بل من بقي قادراً، بعد أن أصبح نائباً وممسكاً بزمام القرار، على قول ما كان سيقوله لو بقي مواطناً عادياً في الشارع؟
في تجربة جرادي وقعقور، توجد إجابة واضحة بالأفعال. وفي تجربة ضو وصادق، توجد أسئلة كثيرة بلا إجابات كافية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :