ايكون نيوز
دخل ملف انفجار مرفأ بيروت مرحلة بالغة الحساسية بعد تسلّم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مطالعة النيابة العامة التمييزية، تمهيداً للانتقال إلى الخطوات التي تسبق صدور القرار الاتهامي.
لكن الحدث القضائي سرعان ما طغى عليه حدث آخر لا يقل حساسية: التسريب.
فالمطالعة، التي تتجاوز 260 صفحة وفق المعلومات المنشورة، لا تتناول شخصاً واحداً، بل تضم أسماء نحو 75 شخصية سياسية وأمنية وقضائية، وتبحث في مستويات مختلفة من المسؤولية والمعرفة والتقصير.
ومع ذلك، فإن أول تسريب مقتضب أحدث الصدمة الإعلامية لم يقدّم للرأي العام صورة هذه الخريطة الواسعة، بل ركّز تحديداً على اسم رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، ونسب إلى المطالعة تحميله مسؤولية على خلفية علمه بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاوزه:
لماذا خرج اسم ميشال عون بهذه الصورة أولاً من ملف يضم عشرات الأسماء؟
السؤال لا يعني تبرئة أحد ولا اتهام أحد، ولا يجوز أن يتحول إلى محاولة للتأثير في التحقيق. المسؤوليات يحددها القضاء وحده، وقرينة البراءة تبقى قائمة، كما أن مطالعة النيابة العامة ليست قراراً اتهامياً ملزماً للمحقق العدلي.
لكن من حق الرأي العام أن يسأل عن طريقة خروج المعلومات من ملف بهذه الحساسية، وعن سبب تقديم اسم سياسي واحد في الواجهة الأولى، فيما بقيت الخريطة الكاملة للمسؤوليات الواردة في مئات الصفحات خارج التداول في تلك اللحظة.
وتزداد المسألة حساسية لأن مصادر قضائية تحدثت لاحقاً عن أن عبارة «توجيه الاتهام» نفسها، التي تصدرت التداول الأول، ليست بالصيغة التي وردت في المطالعة، وأن النيابة العامة تقدم رأياً غير ملزم، بينما تبقى الكلمة الفصل للبيطار عند إصدار قراره الاتهامي.
لاحقاً، ظهرت في التداول الإعلامي أسماء أخرى مرتبطة بالمطالعة، بينها مسؤولون سياسيون وأمنيون سابقون، ما يؤكد أكثر أن الملف أوسع بكثير من الاسم الذي تصدّر التسريب الأول. كما تحدثت تقارير عن مسؤوليات جزائية منسوبة في المطالعة إلى عدد من المسؤولين، من دون أن يعني ذلك صدور أحكام أو إدانات بحقهم.
ومن هنا تصبح القضية ذات وجهين.
الأول قضائي، ويتعلق بكشف حقيقة انفجار الرابع من آب وتحديد مسؤولية كل من يثبت القضاء مسؤوليته، أياً كان اسمه أو موقعه.
والثاني يتعلق بسرية التحقيق ونزاهة مساره: من سرّب؟ ولماذا اختار في اللحظة الأولى هذا الجزء تحديداً من مطالعة تضم عشرات الأسماء؟ وهل كان الهدف مجرد نقل معلومة قضائية، أم أن انتقاء اسم بعينه قبل صدور القرار الاتهامي أدى عملياً إلى صناعة محاكمة إعلامية تسبق المحكمة؟
الرئيس السابق ميشال عون تحرك بدوره قضائياً على خلفية التسريبات، فيما يبقى الملف الأساسي في عهدة البيطار.
والأهم أن اللبنانيين، وفي مقدمهم أهالي ضحايا المرفأ، لا يحتاجون إلى تسريب اسم هنا وآخر هناك، بل إلى الحقيقة كاملة.
لا حماية لميشال عون إذا أثبت القضاء مسؤوليته، ولا إدانة له بتسريب إذا لم يقل القضاء كلمته بعد. والمبدأ نفسه يجب أن يسري على كل اسم ورد في الملف.
فالعدالة في جريمة بهذا الحجم لا تكون بانتقاء اسم من عشرات الأسماء وتسليط الضوء عليه، بل بكشف المسؤوليات كاملة، بالأدلة، ومن دون استثناء أو استنساب.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :