ايكون نيوز
على طرقات جنوب لبنان، لم تعد آليات الأمم المتحدة تتحرك في المشهد الذي عرفه اللبنانيون طوال عقود. اليوم، تمر قوافل اليونيفيل بين أبنية مدمرة وحواجز إسرائيلية ودبابات منتشرة في منطقة أقام فيها الاحتلال ما يسميه «منطقة أمنية».
ومن قلب هذه المنطقة، نقلت رويترز صورة نادرة بعدما رافق مراسلوها دورية فرنسية تابعة لليونيفيل وصولاً إلى رميش، حيث يعيش نحو ستة آلاف شخص وسط قلق متزايد من سؤال لم يعد بعيداً: ماذا سيحدث عندما تبدأ القوة الدولية بالانسحاب؟
المشهد أكثر تعقيداً مما توحي به عبارة «انسحاب اليونيفيل». فأكثر من نصف المواقع التابعة للقوة، والبالغ عددها قرابة 50، باتت وفق رويترز داخل المنطقة التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، فيما أصبح الوصول إلى المقر الرئيسي لليونيفيل في الناقورة يتطلب المرور عبر حاجزين عسكريين إسرائيليين.
وفي رميش، بدأت التداعيات تظهر في تفاصيل الحياة اليومية. فالبلدة تعتمد على قوافل تمر عبر المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، وأُلغيت أخيراً قوافل كانت تحمل مساعدات وبضائع، فيما أفاد سكان ببدء تراجع مخزون الخضار الطازجة والوقود.
وهنا تتجاوز القضية مصير قوة عسكرية دولية إلى مصير السكان أنفسهم.
اليونيفيل تؤدي حالياً دوراً في مرافقة بعض القوافل، وعبور الحواجز، والحفاظ على قناة اتصال في منطقة أصبح الوصول إليها شديد الصعوبة. ومع غيابها، يخشى الأهالي أن تصبح صلتهم ببقية لبنان أكثر هشاشة، فيما وصف أحد سكان رميش واقعه لرويترز بأنه أشبه بالعيش في «سجن كبير ومعزول».
لكن الأخطر قد يكون ما لا يُرى.
فعلى مدى عقود، راكمت اليونيفيل سجلاً واسعاً يتعلق بالخط الأزرق: خرائط وقياسات ومحاضر وتقارير ميدانية. كما راقبت عمليات تبادل النار والانتهاكات، وسهّلت هذا العام وصول موظفين أمميين إلى مناطق خاضعة للاحتلال للتحقيق في انتهاكات محتملة لقوانين الحرب. وتقول مصادر مطلعة إن مثل هذا الوصول قد يصبح نادراً للغاية، وربما مستحيلاً، بعد مغادرة القوة.
وهذا ما يجعل السؤال أكبر من وجود أصحاب القبعات الزرقاء أنفسهم:
من سيكون «عين العالم» في الجنوب عندما يرحلون؟
قرار مجلس الأمن 2790 واضح: الولاية الحالية هي التمديد الأخير، وتنتهي في 31 كانون الأول 2026، ثم تبدأ عملية انسحاب منظمة وآمنة يفترض استكمالها خلال عام، بالتوازي مع تسليم المواقع إلى الجيش اللبناني. والقرار نفسه يطالب إسرائيل بالانسحاب شمال الخط الأزرق ورفع المناطق العازلة داخل الأراضي اللبنانية.
لكن الواقع الميداني سبق النصوص الدولية.
فإسرائيل تحتفظ اليوم بمنطقة داخل الأراضي اللبنانية، بينما تعثرت خطة الانسحاب التدريجي وانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الحزب التي جرى التوصل إليها بوساطة أميركية في حزيران. وتقول إسرائيل إن وجودها مرتبط باعتبارات أمنية، فيما يرفض الحزب التخلي الكامل عن سلاحه ما دام الاحتلال قائماً.
وفي بيروت، بدأت محاولة اللحظة الأخيرة لتغيير المسار. فقد وقع ثلثا أعضاء مجلس النواب عريضة تطالب بتمديد مهمة اليونيفيل، وأعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون أن التمديد هو «الخيار الأول» للبنان، إلا أن دبلوماسيين تحدثوا إلى رويترز يرون أن الحصول عليه يبدو صعباً في الظروف الحالية.
بعد نحو نصف قرن على وصول اليونيفيل إلى لبنان عام 1978، يصبح السؤال إذاً ليس فقط: ماذا فعلت القوة الدولية؟
السؤال الأهم اليوم هو ماذا سيحدث في اليوم الذي تبدأ فيه بالمغادرة، بينما أجزاء من الجنوب لا تزال تحت الاحتلال، والحواجز تقطع الطرق، والقرى المدمرة تنتظر أهلها، والحدود لم تعرف استقراراً دائماً بعد.
قد تغادر اليونيفيل مواقعها، لكن الفراغ الذي يمكن أن تتركه ليس عسكرياً فقط.
إنه فراغ في المراقبة والوصول الإنساني والتوثيق الدولي، وفي منطقة بهذه الحساسية قد يصبح غياب الشاهد الدولي حدثاً لا يقل خطورة عن غياب القوة نفسها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :