حسان صقر والتنمية الانتخابية… بين بناء الإنسان وبناء الولاء

حسان صقر والتنمية الانتخابية… بين بناء الإنسان وبناء الولاء

كتب رشيد حاطوم 

حسان صقر والتنمية الانتخابية… بين بناء الإنسان وبناء الولاء

يبدو أن للكورة مشروعاً إنمائياً جديداً. لقاءات موسعة، حديث عن المرأة والاغتراب والاستثمار، ودعوات إلى تفعيل طاقات أبناء المنطقة في لبنان والانتشار. عناوين لا خلاف عليها، بل تحتاجها الكورة كما يحتاجها كل لبنان.

لكن التنمية لا تُقاس بجمال العنوان، بل بما يبقى منه عندما تُطفأ أضواء المناسبة ويعود المدعوون إلى بيوتهم.

وهنا يبدأ السؤال حول تجربة حسان صقر، الذي يتحرك منذ مدة على مساحة اجتماعية واسعة بالتوازي مع استعداده للاستحقاق النيابي. صبحيات وعشوات ولقاءات ومناسبات تتوالى، فيما تمتلئ وسائل التواصل بصورها.

من حق أي طامح إلى النيابة أن يلتقي الناس، ومن حق الناس أن تستفيد من أي مبادرة اجتماعية. لكن عندما يوضع كل ذلك تحت عنوان «التنمية»، يصبح السؤال واجباً:

أين المشروع الذي يجعل الإنسان أقل حاجة إلى السياسي غداً؟

ثمة مثل يلخص فلسفة التنمية أكثر من عشرات الخطب: بدل أن أعطي الإنسان سمكة كلما جاع، أعلّمه الصيد وأعطيه صنارة.

هنا تماماً يقع الفارق بين التنمية والزبائنية.

التنمية الحقيقية لا تجعل الإنسان محتاجاً إلى صاحب المبادرة في كل مرة. تعطيه مهنة، تدريباً، فرصة عمل، قرضاً منتجاً، مشروعاً صغيراً، سوقاً لتصريف إنتاجه أو معرفة يستطيع تحويلها إلى دخل. أي أنها تمنحه «الصنارة» ثم تترك له كرامة أن يصطاد بنفسه.

أما الإنفاق الذي ينتهي بانتهاء المناسبة، فقد يساعد إنساناً في لحظته، لكنه لا يصنع اقتصاداً ولا يغيّر مجتمعاً.

ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل حسان صقر، لا عن عدد الذين حضروا لقاءاته، بل عما تركته هذه اللقاءات خلفها.

كم فرصة عمل وُلدت؟

كم مشروعاً إنتاجياً أبصر النور؟

كم شاباً أو سيدة انتقل من طلب المساعدة إلى القدرة على الإنتاج؟

هذه هي الأرقام التي تستحق أن تُنشر إذا كان العنوان تنموياً.

أما إذا بقيت الحصيلة صوراً ومناسبات وحضوراً اجتماعياً يتراكم مع اقتراب الانتخابات، فمن الطبيعي أن يسأل الكورانيون إن كانوا أمام مشروع إنمائي فعلاً، أم أمام ماكينة انتخابية ترتدي ثياب التنمية.

فالمال يستطيع أن يملأ قاعة، لكنه لا يستطيع وحده بناء مجتمع.

مرشح بين الأجنحة

ولا تقف الأسئلة عند حدود الكورة.

فصقر يتحرك أيضاً داخل مشهد تنظيمي شديد التعقيد في ما يُعرف بتنظيم الروشة، فيما تتقاطع حول ترشيحه حسابات انتخابية وتنظيمية مختلفة.

وتتداول أوساط معنية بالملف معلومات عن إبقاء الرجل خطوط التواصل مفتوحة في أكثر من اتجاه، وعن مساعٍ واتصالات تتصل بإمكان تبني أسعد حردان لترشيحه.

إن صحت هذه المعلومات، فلا مشكلة في التواصل السياسي بحد ذاته. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المرشح حريصاً على ألا يخسر أحداً أكثر من حرصه على تحديد موقعه بوضوح.

فالسياسة ليست بوليصة تأمين.

والقومي الاجتماعي، قبل أن يسأل أين توجد مصلحته الانتخابية، يفترض أن يعرف أين يقف.

قد تكون إدارة العلاقات مع الأطراف المتخاصمة مهارة سياسية، لكن النهضة لم تنشأ لتعليم أعضائها فن الوقوف بين الكراسي، بل لتجعل الموقف تعبيراً عن عقيدة ومصلحة عامة، لا عن حساب الربح والخسارة الشخصية.

«أنا الثاني في الكورة»

ويبقى حديث يتردد في مجالس كورانية عن عبارة تُنسب إلى صقر مفادها أنه «الثاني في الكورة».

إن كانت العبارة منسوبة إليه بدقة، فلا مشكلة في أن يثق المرشح بنفسه، لكن ثمة تفصيلاً صغيراً اسمه الانتخابات.

فالمرتبة لا تمنحها الولائم، ولا الصور، ولا كثافة الظهور، ولا حجم الإنفاق.

يمنحها الناخب.

وصندوق الاقتراع وحده يستطيع أن يقول من الأول ومن الثاني ومن الأخير.

ولهذا، فإن إعلان الترتيب قبل أن يتكلم الناس لا يصنع حقيقة انتخابية، بل يصنع انطباعاً يحاول صاحبه أن يسبق به الصندوق. والمفارقة أن العبارة، وفق ما يتردد في بعض الأوساط الكورانية، تحولت بدلاً من ذلك إلى مادة للتندر.

«المافياوي المطقّم»

وفي صورة أشد قسوة، كانت الصحافية غدي فرنسيس قد استخدمت في منشور علني لها توصيف «المافياوي المطقّم» في حديثها عن صقر.

هذا توصيفها وهي مسؤولة عنه، ولسنا في وارد تبنيه أو تحويله إلى حكم من جانبنا.

لكن وجود صورة نقدية بهذه الحدّة يطرح على أي شخصية تطمح إلى العمل العام سؤالاً لا يمكن تجاهله: لماذا وصلت صورتها لدى بعض منتقديها إلى هذا الحد؟

والإجابة لا تكون بمخاصمة السؤال، بل بالممارسة التي تنقضه.

أين سعاده من كل ذلك؟

وهنا نصل إلى ما يعنينا أكثر من حسان صقر نفسه.

لو كان الرجل مجرد مرشح لبناني آخر، لانتهت المسألة عند حدود الكورة وصندوق الاقتراع. لكنه يتحرك في فضاء يحمل اسم أنطون سعاده ويتحدث عن النهضة والإنسان والاقتصاد والإنتاج.

وهذا يغيّر معيار المحاسبة.

سعاده لم يؤسس حزباً ليضيف ماكينة انتخابية إلى الماكينات اللبنانية، ولم يكن مشروع النهضة استبدال زعيم بزعيم أو ممول بممول.

المشروع كان الإنسان.

الإنسان الجديد القادر على أن يكون حراً في قراره، منتجاً في مجتمعه، مسؤولاً عن مصيره.

ومن هنا يصبح السؤال مؤلماً:

ماذا تفعل النهضة إذا أخذت أسوأ ما في النظام السياسي اللبناني ووضعت فوقه قاموساً قومياً اجتماعياً؟

لا يعود الناخب إنساناً جديداً إذا استُبدلت بهوية الزعيم هوية الحزب، ولا تصبح الزبائنية تنمية لأننا ألبسناها خطاباً عن الإنتاج.

والقومي الذي ينتظر العشاء أو الخدمة أو المساعدة من المرشح ليس الإنسان الذي أراده سعاده، تماماً كما أن المرشح الذي يحتاج إلى استمرار حاجة الناس إليه لا يبني نهضة.

بناء الإنسان لا شراء حاجته

وهنا نعود إلى الصنارة.

أعطِ ابن الكورة صنارة.

علّمه مهنة.

ساعده على تأسيس مشروع.

افتح أمام إنتاجه سوقاً.

وعندها، عندما يعود المرشح بعد أربع سنوات، قد يجد أن من ساعدهم لم يعودوا بحاجة إليه.

وهذه تحديداً هي التنمية.

قد تبدو تلك النتيجة سيئة لمن يريد بناء شبكة انتخابية، لكنها أعظم نجاح لمن يريد بناء مجتمع.

لأن السياسي الزبائني يحتاج إلى إنسان محتاج.

أما صاحب المشروع النهضوي فيجب أن يكون نجاحه في اليوم الذي يستطيع فيه الإنسان أن يقول له: شكراً، لم أعد بحاجة إليك.

هنا تفترق الطريقان.

طريق يبني الولاء، وطريق يبني الإنسان.

ومن حق حسان صقر أن يختار طريقه، ومن حقه أن يترشح وينفق ويتحرك ويطمح حتى إلى أن يكون الأول في الكورة، لا الثاني فقط.

لكن ليس من حق أحد أن يطلب منا تعطيل السؤال.

أين المشروع؟

أين الإنتاج؟

وأين الإنسان الجديد؟

لأن القضية، في النهاية، أكبر من حسان صقر وأكبر من مقعد نيابي.

إنها قضية حزب وُلد ليغيّر المجتمع، فإذا به مهدد بأن تستدرجه السياسة اللبنانية إلى أن يصبح جزءاً من أدوات المجتمع الذي جاء لتغييره.

وعندها لا يعود السؤال: من هو الثاني في الكورة؟

بل أي كورة نريد أن نتركها لأبنائها، وأي حزب، وأي نهضة؟

نهضة تعطي الإنسان سمكة ليعود إليها غداً؟

أم نهضة تعلّمه الصيد، وتضع الصنارة في يده، ثم تفرح عندما يمضي حراً في طريقه؟

هنا فقط يصبح السؤال جديراً بسعاده.

وهنا فقط، إذا ضاعت البوصلة، يصبح الوجع مشروعاً:

واهِ حزباه… واهِ نهضتاه… واهِ كورتاه.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي