ليبيا: نفي رسمي لاستخدام قاعدة مصراتة من قبل عناصر أوكرانية وتصاعد الضغوط المحلية والدولية لوقف إعدامات الشرق
تدخل ليبيا أسبوعاً جديداً على وقع ملفات أمنية وقضائية شديدة الحساسية، أعادت إلى الواجهة أسئلة السيادة والانقسام المؤسسي وحدود سيطرة الدولة على أراضيها ومؤسساتها العسكرية. ففي الوقت الذي سارعت فيه وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية إلى نفي تقارير أمريكية تحدثت عن استخدام قاعدة مصراتة من قبل قوات أوكرانية لتنفيذ عمليات تستهدف مصالح روسية، تصاعدت في الداخل ردود الفعل بشأن تنفيذ أحكام إعدام في المنطقة الشرقية، وسط مطالبة حكومة عبد الحميد الدبيبة ومنظمة العفو الدولية بوقفها فوراً ومراجعة الإجراءات القضائية التي سبقتها.
وجاء نفي وزارة الدفاع بعد ساعات من نشر شبكة «سي إن إن» الأمريكية تحقيقاً تحدث عن وجود عناصر عسكرية أوكرانية متخصصة في شمال غرب ليبيا منذ أواخر عام 2025، وزعم أن عناصر مرتبطة بالاستخبارات الأوكرانية تستخدم قاعدة عسكرية في مدينة مصراتة في عمليات تستهدف ما يعرف بـ»أسطول الظل» الروسي.
وقالت الوزارة، في بيان شديد اللهجة، إنها تنفي بشكل قاطع استخدام قاعدة مصراتة العسكرية منطلقاً لتنفيذ عمليات ضد أطراف أو مصالح خارج ليبيا، مؤكدة عدم وجود أي اتفاق أو ترتيب أو تنسيق يسمح باستخدام منشأة عسكرية ليبية منصة لإطلاق هجمات خارج إطار المهام السيادية للدولة.
وشددت الوزارة على أنها لم تمنح أي طرف أجنبي إذناً باستخدام الأراضي الليبية أو منشآتها العسكرية أو أجوائها أو مياهها الإقليمية لتنفيذ أعمال عدائية ضد أي دولة أو جهة، وقالت إن أياً من المنشآت العسكرية الوطنية لم يخصص أو يوظف لهذا الغرض.
«سر مكشوف»
ويضع النفي الرسمي الليبي رواية الحكومة في مواجهة مباشرة مع ما أوردته الشبكة الأمريكية، التي قالت إن انتشار العناصر الأوكرانية في ليبيا تحول إلى «سر مكشوف»، وإن وجودها يأتي ضمن تحركات أوكرانية تستهدف المصالح الروسية خارج القارة الأوروبية.
ونقلت «سي إن إن» عن شخص وصفته بأنه أحد مشغلي الطائرات المسيّرة البحرية الأوكرانية في ليبيا قوله إن وحدته تعمل انطلاقاً من قاعدة عسكرية في مصراتة لتنفيذ هجمات ضد ناقلات مرتبطة بروسيا، ضمن ما يعرف بـ»أسطول الظل»، وهو المصطلح المستخدم للإشارة إلى شبكة من السفن التي تعتمد عليها موسكو في نقل النفط والالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وبحسب التقرير الأمريكي، فإن وجود العناصر الأوكرانية يرتبط أيضاً بترتيبات تشمل تدريب قوات ليبية محلية، في حين نفت وزارة الدفاع وجود أي اتفاق يسمح بتحويل الأراضي الليبية إلى منطلق لعمليات خارجية.
وذهب التحقيق إلى أبعد من ذلك بربطه بين النشاط الأوكراني المفترض في ليبيا وبين واقعة العثور على قارب مسيّر مفخخ قبالة سواحل جزيرة ليفكادا اليونانية في وقت سابق من العام الجاري. ونقلت الشبكة عن مصدر في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية قوله إن القارب خرج عن السيطرة بعد فقدان الاتصال به أثناء تشغيله من شمال غرب ليبيا.
وأكدت وزارة الدفاع في المقابل أن جميع أشكال التعاون العسكري والتدريب الفني مع الدول الصديقة تتم حصراً من خلال الأطر الرسمية والقانونية المعتمدة، مشددة على رفضها استخدام الأراضي الليبية في أي أعمال يمكن أن تعرض الأمن القومي أو علاقات ليبيا الخارجية للخطر.
كما انتقدت الوزارة نشر معلومات استناداً إلى مصادر مجهولة، داعية وسائل الإعلام إلى تحري الدقة والرجوع إلى الجهات الليبية المختصة قبل نشر معلومات تتعلق بالمؤسسات والمنشآت العسكرية.
مطالبات بتوقيف تنفيذ أحكام الإعدام
ويتزامن الجدل المتعلق بقاعدة مصراتة مع تصاعد ملف آخر داخل البلاد يتعلق بتنفيذ أحكام إعدام في المنطقة الشرقية، بعدما انضمت حكومة الوحدة الوطنية إلى الدعوات المطالبة بوقف تنفيذها.
وأعربت الحكومة عن إدانتها لاستمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من نزلاء السجون في شرق ليبيا، مشككة في سلامة المحاكمات والإجراءات القضائية التي سبقتها، ومعتبرة أن حماية الحق في الحياة وضمان المحاكمة العادلة يمثلان حقوقاً أساسية يجب احترامها بغض النظر عن طبيعة الاتهامات الموجهة إلى المحكومين.
وأكدت الحكومة أن مكافحة الجريمة والإرهاب وإنفاذ القانون ينبغي أن تتم من خلال القضاء المختص والإجراءات القانونية، محذرة من أن استمرار وجود مراكز احتجاز وإجراءات أمنية وقضائية خارج إطار سلطة وطنية موحدة أدى إلى تكرار الانتهاكات.
وطالبت بالوقف الفوري لتنفيذ أحكام الإعدام وأي إجراءات مماثلة، إلى جانب مراجعة أوضاع المحكوم عليهم وضمان حقهم في الدفاع والاستعانة بمحامين والتواصل مع ذويهم.
وتزامن موقف حكومة الدبيبة مع تحذير أكثر تفصيلاً أصدرته منظمة العفو الدولية، قالت فيه إن ما لا يقل عن 50 رجلاً محكومين بالإعدام داخل سجن قرنادة العسكري يواجهون خطراً وشيكاً بتنفيذ الأحكام بحقهم.
وطالبت المنظمة خليفة حفتر بإيقاف جميع عمليات الإعدام وإعلان تجميد رسمي لها، وقالت إن قوات خاضعة لسيطرته نفذت إعدامات بحق ما لا يقل عن 30 شخصاً خلال الفترة بين 23 آب / أغسطس و9 أيلول / سبتمبر الجاري.
وبحسب العفو الدولية، فإن الأحكام نُفذت بعد محاكمات عسكرية وصفتها بالسرية والجائرة، وقالت إن بعض القضايا استندت إلى اعترافات انتزعت تحت التعذيب.
وأشارت المنظمة إلى أن أغلب الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام أو نُفذت فيهم الإعدامات اعتُقلوا في بنغازي ودرنة خلال الفترة بين الأعوام 2014 و2018، وأن من بينهم مقاتلين وأشخاصاً اشتبهت السلطات في معارضتهم لقوات حفتر، بعضهم على خلفية انتماءات عائلية أو قبلية.
إخفاء قسري ومزاعم تعذيب
وقالت المنظمة إنها وثقت تعرض عدد من المعتقلين للإخفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، وصلت في بعض الحالات إلى عامين، إضافة إلى تسجيل مزاعم تعذيب شملت الصعق الكهربائي والحرق والضرب والتعليق في أوضاع مؤلمة.
كما تحدثت عن حرمان بعض المتهمين من مقابلة محاميهم على انفراد، مشيرة إلى أن شخصين على الأقل ممن نُفذ حكم الإعدام بحقهم كانت المحكمة العسكرية العليا قد خفضت أحكامهما عام 2019 إلى السجن المؤبد، قبل أن يتم إعدامهما لاحقاً، بحسب المنظمة.
واتهمت العفو الدولية السلطات أيضاً باحتجاز جثامين المعدومين وتولي دفنهم، مع السماح لعائلاتهم بالتعرف عليهم ومنع إقامة مراسم العزاء والجنائز.
ويرتبط الجدل كذلك بطبيعة المحاكم التي أصدرت الأحكام، إذ أكدت المنظمة رفضها محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، مذكرة بحكم أصدرته الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا الليبية عام 2025 بعدم دستورية قانون منح المحاكم العسكرية اختصاص النظر في بعض قضايا الإرهاب المتعلقة بالمدنيين.
وطالبت المنظمة بإلغاء الأحكام الصادرة عن المحاكمات التي وصفتها بالجائرة، وإعادة محاكمة من يواجهون اتهامات بارتكاب جرائم معترف بها دولياً أمام محاكم مدنية تستوفي ضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى فتح تحقيق مستقل في مزاعم التعذيب والسماح للمراقبين الدوليين بدخول سجن قرنادة وغيره من مرافق الاحتجاز في شرق البلاد.
وبين الجدل حول ما إذا كانت منشأة عسكرية في مصراتة قد استخدمت في صراع دولي يمتد خارج الحدود الليبية، والاتهامات المتعلقة بالإعدامات والمحاكمات العسكرية في الشرق، تعود أزمة الانقسام الليبي لتفرض نفسها من زاويتين مختلفتين: الأولى تتعلق بقدرة الدولة على فرض سيادتها وضبط علاقاتها وتحالفاتها العسكرية، والثانية بقدرتها على توحيد منظومتها القضائية والأمنية وضمان خضوع مختلف مناطق البلاد لقواعد قانونية ومؤسسات موحدة، وهي ملفات لا تزال مرتبطة بصورة مباشرة باستمرار الانقسام السياسي والعسكري بين شرق البلاد وغربها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي