خاص "𝐢𝐜𝐨𝐧𝐧𝐞𝐰𝐬"
لم تعد فاتورة المولد في لبنان مجرد كلفة بديلة عن كهرباء الدولة. بعد عقود من الانقطاع والتقنين والعجز عن بناء قطاع كهربائي قادر على تأمين حاجة البلاد، تحوّل «الحل المؤقت» إلى جزء ثابت من حياة اللبنانيين، وإلى اقتصاد قائم بذاته يدفع المواطن كلفته كل شهر، فوق ما يدفعه لكهرباء لبنان.
ومع القفزة الجديدة في تعرفة المولدات، يعود السؤال نفسه ولكن بصورة أكثر إلحاحاً: أين تنتهي الكلفة الحقيقية وأين يبدأ الربح؟ ومن يراقب الفارق بين التسعيرة التي تصدرها الدولة والفاتورة التي تصل إلى منزل المواطن؟
فاتورة ترتفع... والدخل مكانه
حددت وزارة الطاقة والمياه تعرفة شهر آب بـ48,241 ليرة لبنانية للكيلوواط/ساعة في المدن والتجمعات المكتظة والمناطق الواقعة على ارتفاع أقل من 700 متر، وترتفع إلى 53,065 ليرة في القرى والمناطق المتباعدة والمرتفعة.
ويضاف إلى الاستهلاك بدل ثابت يبلغ 385 ألف ليرة لاشتراك 5 أمبير و685 ألف ليرة لاشتراك 10 أمبير.
المشكلة أن هذه الأرقام لا تتحرك في فراغ. فبالنسبة إلى عائلة تستهلك 300 كيلوواط/ساعة شهرياً على اشتراك 5 أمبير، تبلغ الفاتورة وفق التعرفة الأساسية في المدن نحو 14.86 مليون ليرة قبل أي بنود قانونية أخرى قد تنطبق.
وعند 500 كيلوواط، تصبح الكلفة نحو 24.5 مليون ليرة.
هنا تصبح المسألة أكبر من نقاش تقني حول بضعة آلاف من الليرات في سعر الكيلوواط. نحن أمام بند شهري قادر وحده على ابتلاع جزء كبير من دخل أسرة لبنانية.
10 في المئة أرباح... فمن أين تأتي عبارة «لا نربح»؟
المفارقة الأكثر إثارة تبدأ من المعادلة الرسمية نفسها.
وزارة الطاقة لا تقول إن التسعيرة تغطي فقط المازوت والزيوت والصيانة. فالآلية التي تعتمدها تأخذ في الاعتبار مجموعة من الأكلاف التشغيلية، من المحروقات والزيوت والفلاتر إلى اهتلاك المولد ومصاريف التشغيل، ثم تضيف إلى الناتج هامش ربح لصاحب المولد بنسبة 10 في المئة.
وهذه النسبة ليست استنتاجاً صحافياً، بل جزء معلن من منهجية الوزارة في احتساب التعرفة.
لذلك، عندما يقول أصحاب المولدات إنهم «لا يربحون»، يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت الكلفة الفعلية أعلى مما تحتسبه الوزارة، فما هي البنود الناقصة تحديداً؟ وكم تبلغ؟ وأين الحسابات التي تثبت ذلك؟
أما الاكتفاء بالقول إن القطاع لا يحقق أرباحاً، فيصعب التوفيق بينه وبين معادلة رسمية تفترض أساساً وجود هامش ربح.
والأهم أن ارتفاع قيمة الفاتورة لا يعني بالضرورة ارتفاع نسبة الربح. فإذا كان هامش الربح محسوباً كنسبة من الكلفة، فإن ارتفاع المازوت يرفع السعر النهائي حتى لو بقيت النسبة نفسها.
وهنا يجب الفصل بين أمرين غالباً ما يختلطان في النقاش الشعبي: ضخامة الفاتورة من جهة، وهامش الربح الحقيقي لصاحب المولد من جهة أخرى.
المازوت... الوحش الموجود داخل الفاتورة
لا يمكن في المقابل تحميل أصحاب المولدات وحدهم مسؤولية الارتفاع.
فالمازوت يمثل العنصر الأكبر في كلفة إنتاج الكهرباء بواسطة المولدات، ولذلك فإن أي قفزة في سعره تنتقل بسرعة إلى سعر الكيلوواط.
وفي تعرفة آب، اعتمدت الوزارة متوسط سعر لصفيحة المازوت وصل إلى نحو 2.415 مليون ليرة ومتوسط سعر للدولار عند 89,700 ليرة.
وهذا يعني أن استقرار الدولار وحده لا يكفي لحماية اللبناني من ارتفاع فاتورته. طالما أن لبنان يستورد الوقود ويستخدمه بكثافة لإنتاج الكهرباء محلياً، يبقى المستهلك مكشوفاً أمام تقلبات أسعار الطاقة.
وهنا تظهر المفارقة اللبنانية الكبرى: بلد يعاني أزمة كهرباء مزمنة يعالج نقص الإنتاج المركزي بآلاف وحدات الإنتاج الصغيرة الموزعة بين الأحياء والقرى، وكل واحدة منها تحتاج إلى وقود وصيانة وشبكة وجباية وتشغيل.
إنها، عملياً، كلفة «تجزئة» قطاع الكهرباء.
المشكلة ليست المولد وحده
من السهل تحويل صاحب المولد إلى المتهم الوحيد، كما يسهل على أصحاب المولدات تحميل الدولة المسؤولية كاملة.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.
المولد الخاص لم يظهر لأن اللبناني قرر أن يكون لديه مزود ثانٍ للكهرباء. لقد نشأ وتمدد لأن مؤسسة الكهرباء الرسمية لم تستطع تأمين الخدمة بصورة مستقرة.
ومع مرور السنوات، تحول الاستثناء إلى قاعدة.
نشأت شبكات، واشتراكات، ومولدات ضخمة، وعمال وجباة واستثمارات ومصالح مالية، حتى أصبح تفكيك هذا الاقتصاد أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرار بإقفاله.
وهنا تكمن واحدة من أخطر نتائج أزمة الكهرباء اللبنانية: الدولة لم تخسر فقط قدرتها على توفير الخدمة، بل سمحت بقيام بنية اقتصادية موازية لتوفيرها.
اللبناني يشتري الكهرباء مرتين
المواطن في النهاية لا تعنيه كثيراً الحرب الكلامية بين الوزارة وأصحاب المولدات.
هو يريد كهرباء مستقرة بسعر يستطيع تحمله.
لكن النموذج اللبناني يجعله عالقاً بين مزودين: مؤسسة عامة لا تؤمن الكهرباء الكافية، وقطاع خاص اضطراري ترتبط فاتورته مباشرة تقريباً بأسعار الوقود.
يدفع المواطن لكهرباء لبنان، ثم يدفع للمولد، وفي كثير من الحالات أنفق قبل ذلك آلاف الدولارات على ألواح وبطاريات وأنظمة طاقة شمسية حتى يقلل اعتماده على الاثنين.
أي أن الأسرة اللبنانية باتت تبني، من مالها الخاص، «سياسة الطاقة» الخاصة بها.
وهذا ربما أكثر ما يلخص فشل القطاع.
وماذا عن الرقابة؟
وزارة الطاقة تمنع إضافة رسوم اعتباطية تحت مسميات الصيانة أو الشبكة، كما لا تجيز فرض رسوم خاصة على المشترك لمجرد امتلاكه نظام طاقة شمسية. وتؤكد كذلك إلزامية العدادات وضرورة التقيد بالتعرفة الرسمية.
لكن إصدار التسعيرة شيء وضمان تنفيذها شيء آخر.
وهنا يقع الامتحان الحقيقي على أجهزة الدولة المعنية بالرقابة وحماية المستهلك والسلطات المحلية.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى جدول شهري يخبره بسعر الكيلوواط؛ يحتاج إلى جهة يستطيع اللجوء إليها عندما تكون فاتورته مخالفة، وإلى رقابة قادرة على التدقيق في العدادات والبنود المضافة وساعات التغذية والقدرة الفعلية للاشتراك.
لأن التسعيرة التي لا يمكن فرضها على الأرض تتحول في النهاية إلى رقم على الورق.
السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه
الجدل حول نسبة ربح أصحاب المولدات مهم، لكنه يحجب القضية الأكبر.
بعد عقود من الإنفاق والخطط والوعود، لماذا لا يزال لبنان في عام 2026 يناقش أساساً كيفية تنظيم فاتورة المولد الخاص بدلاً من كيفية الاستغناء عنه؟
المولد كان يفترض أن يكون حلاً استثنائياً لساعات انقطاع محدودة. لكنه تحول إلى مؤسسة موازية، وشبكة كهرباء ثانية، وفاتورة ثانية، واقتصاد كامل نشأ فوق أنقاض عجز الدولة.
إذا كانت نسبة الـ10 في المئة كافية، فعلى أصحاب المولدات تفسير أرقامهم عندما يقولون إنهم لا يربحون.
وإذا كانت غير كافية، فعلى الدولة أن تشرح لماذا تعتمد معادلة لا تعكس الكلفة الحقيقية.
أما إذا كانت المعادلة صحيحة والربح موجوداً لكن بعض الفواتير تتجاوزها، فهنا لا تعود المشكلة اقتصادية بل رقابية.
وفي الحالات الثلاث، يبقى اللبناني الطرف الوحيد الذي لا يملك ترف الاختيار.
فهو لا يستطيع الاستغناء عن الكهرباء، ولا يستطيع تحديد سعر المازوت، ولا يضع التعرفة، ولا يقرر ساعات التغذية الرسمية.
لكنه في نهاية كل شهر هو من يدفع الحساب.
والمفارقة الأقسى أن اللبناني، بعد كل هذه السنوات، لم يعد يسأل متى ستؤمن الدولة الكهرباء 24 ساعة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :