موريتانيا أمام تحولات الساحل: الحضور العسكري الروسي في النيجر ومالي يشوش البوصلة ويعيد طرح سؤال الأمن والسيادة
بينما كان وزير الدفاع الموريتاني حنن ولد سيدي، يؤكد أمام القادة الأفارقة في لواندا أن الوقاية من النزاعات تبدأ بمواجهة هشاشة المؤسسات والفقر والبطالة وضعف الحكامة، كانت أحداث النيجر تقدم صورة مختلفة لتحولات الأمن في الساحل: قوات روسية تساعد نظام الجنرال عبد الرحمن تياني على تجاوز تمرد عسكري هدد مركز السلطة في نيامي.
وتضع الصورتان موريتانيا أمام سؤال يتجاوز المنافسة التقليدية بين باريس الأقرب لموريتانيا وموسكو الحاضرة في دول الجوار: هل تتجه منطقة الساحل من المظلة الأمنية الفرنسية إلى مظلة روسية، وما الذي يعنيه ذلك لبلد اختار حتى الآن المحافظة على استقلال قراره الأمني وتنويع شراكاته الخارجية؟
أعطت أحداث النيجر الأخيرة للحضور الروسي بعدًا جديدًا بعد أن استولى جنود متمردون لفترة على القاعدة الجوية 101 في نيامي، قبل أن تستعيدها القوات الموالية لتياني بمساعدة عناصر من «فيلق إفريقيا» الروسي.
وأكد السفير الروسي في النيجر فيكتور فوروبايف، أن السلطات طلبت مساعدة «فيلق إفريقيا» في مواجهة التمرد، وهو ما كشف أن دور موسكو لم يعد مقتصرًا على التدريب والتسليح، وإنما بات يمتد، عند الضرورة، إلى المساهمة المباشرة في حماية السلطة الحليفة. وتحمل الواقعة مفارقة سياسية لافتة، فالجنرال تياني وصل إلى الحكم بانقلاب يوليو/تموز 2023 وسط خطاب يستند إلى استعادة السيادة وإنهاء النفوذ الفرنسي، قبل أن يجد نفسه، بعد ثلاثة أعوام، بحاجة إلى مساعدة قوة أجنبية أخرى عندما تعرض لخطر داخلي. وهكذا تتبلور تدريجيًا خريطة جديدة للساحل: تراجع فرنسي وغربي يقابله تقدم روسي، خصوصًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي الدول الثلاث التي أسست تحالف دول الساحل وأعادت بناء خياراتها العسكرية والسياسية بعيدًا عن المنظومات التقليدية المرتبطة بفرنسا.
بالنسبة لموريتانيا، لا تمثل هذه التحولات صراع نفوذ بعيدًا، فالبلاد تشترك مع مالي في حدود طويلة وحساسة، بينما أصبح الوجود الروسي جزءًا من المشهد العسكري على الجانب الآخر منها.
وفي الشرق الموريتاني تتداخل تداعيات الأزمة المالية مع تدفقات اللاجئين والتهريب والجريمة المنظمة واحتمالات تحرك الجماعات المسلحة عبر الحدود. ولذلك، فإن تمدد الدور الروسي في الساحل أصبح جزءًا من البيئة الاستراتيجية المحيطة بموريتانيا، حتى من دون تغيير نواكشوط لتحالفاتها.
ومن هنا يكتسب خطاب وزير الدفاع وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء حنن ولد سيدي، ممثلًا للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمام الدورة الاستثنائية الحادية والعشرين لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي في لواندا، دلالة خاصة. فقد أكد الوزير أن الوقاية من النزاعات تبدأ بمعالجة أسبابها البنيوية، محددًا في مقدمتها هشاشة المؤسسات والفقر والبطالة وضعف الحكامة واتساع الفوارق الاجتماعية وانسداد الآفاق أمام الشباب. واختصر المقاربة الموريتانية في معادلة تقول إنه «لا تنمية مستدامة بلا أمن، ولا أمن حيث تسود الهشاشة المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية».
وهذه الرؤية تقدم، عمليًا، تصورًا مختلفًا عن اختزال أزمة الساحل في بعدها العسكري.
ولا تعني المقاربة الموريتانية التقليل من أهمية القوة العسكرية؛ فنواكشوط بنت تجربتها في مواجهة الإرهاب على تحديث الجيش وتعزيز الاستخبارات والانتشار الحدودي والعمل الاستباقي.
لكنها تحاول دمج هذه الأدوات ضمن معالجة أشمل للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تغذي عدم الاستقرار. وقد كشفت أحداث النيجر عن واقع جديد في هذا الصدد: فروسيا ساعدت نظام نيامي على تجاوز خطر التمرد، لكنها لا تستطيع بالتدخل العسكري وحده معالجة الأسباب التي أدت إليه، مثلما لم يتمكن الوجود العسكري الفرنسي السابق من القضاء على جذور الأزمة.
ورغم انسحاب القوات الفرنسية وتعزيز الشراكة مع موسكو، لا تزال النيجر تواجه هجمات الجماعات المسلحة وخسائر في صفوف قواتها.
وهنا تظهر أهمية الرؤية التي قدمتها موريتانيا في لواندا: قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إخماد التمرد بعد اندلاعه، وإنما بقدرتها على تقليص الظروف التي تسمح بولادته.
هذا التحول دفع الخبير الموريتاني في الأمن والجرائم العابرة للحدود، العقيد المتقاعد محمد ناجي، إلى التحذير في مقال تحليلي من أي توجه نحو إدخال قوات أو وحدات شبه عسكرية روسية إلى موريتانيا، داعيًا إلى المحافظة على استقلال القرار الأمني والعسكري.
ولا يقوم التحذير على رفض التعاون مع موسكو، وإنما على التمييز بين شراء السلاح والتكنولوجيا والخبرة وبين إسناد وظائف أمنية سيادية إلى قوة أجنبية.
فالشراكة الروسية قد توفر تجهيزات وتقنيات مراقبة وتدريبًا ودعمًا سياسيًا، لكنها قد تحمل أيضًا مخاطر التبعية التقنية والمالية، دون أن تقدم ضمانة لإنهاء التهديد الإرهابي.
ويقترح ولد ناجي بدل ذلك تنويع مصادر التسليح والتكنولوجيا العسكرية والتعامل مع دول مختلفة وفق عقود واضحة وشفافة، مع إبقاء القوات الوطنية في مركز المنظومة الدفاعية.
والمفارقة هي أن تراجع الاحتكار الفرنسي للساحل يمنح موريتانيا أيضًا فرصة لتوسيع هامشها الاستراتيجي.
فنواكشوط تستطيع المحافظة على تعاونها الأمني والعسكري مع الشركاء الغربيين، وفي الوقت نفسه تطوير علاقاتها مع روسيا والصين وتركيا ودول أخرى، من دون الانضمام إلى محور مغلق.
لكن هذه السياسة تصبح أكثر صعوبة كلما تعمق التنافس الروسي الغربي في المنطقة، خصوصًا مع تحول موسكو إلى شريك أمني مباشر لأنظمة تحالف دول الساحل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي