المشهد الإفريقي... «التحريك العكسي»

المشهد الإفريقي... «التحريك العكسي»

ما بعد «اتفاق مكة»... إفريقيا تدخل لعبة التحريك العكسي وترمب يطارد الخيوط الهاربة

ايكون نيوز

د. راشد الشاشاني

 

لا تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ«التحريك العكسي» في عقلية دونالد ترمب من ملف واحد فقط. فالرئيس الأميركي، الذي ينظر إلى الضغط باعتباره إحدى أدوات إعادة تحريك المشاهد الجامدة وإخضاعها مجدداً للحساب الأميركي، يبدو اليوم أمام شبكة من التحولات الإقليمية التي لم تعد تسير بالضرورة وفق الإيقاع الذي تريده واشنطن.

 

من هذه الزاوية يمكن قراءة ما يجري في المنطقة، من اليمن والخليج إلى القرن الإفريقي وشمال إفريقيا، بالتوازي مع التحولات التي أحدثها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان.

 

الاتفاق لم يعد مجرد إعلان سياسي. فالدول الثلاث انتقلت إلى بناء آليات للتنسيق السياسي والعسكري والدفاعي، بما يطرح سؤالاً أكبر حول ما إذا كانت المنطقة تتجه تدريجياً نحو إنتاج منظومات أمنية خاصة بها، لا تنفصل كلياً عن الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تبقى رهينة لها.

 

وهنا تحديداً تبدأ حساسية المشهد بالنسبة إلى واشنطن.

 

فانغماس السعودية مجدداً في استنزاف يمني واسع، على سبيل المثال، من شأنه أن يقيّد هامش حركتها الإقليمية، تماماً كما أن استمرار الأزمات المحيطة بالخليج وإيران وممرات الطاقة يفرض أثقالاً إضافية على أي مشروع يسعى إلى بناء استقلال استراتيجي أوسع عن المظلة الأميركية التقليدية.

 

لكن المشهد لا يتوقف عند الخليج.

 

في إفريقيا، تتقاطع النزاعات السودانية والتوترات بين دول الإقليم مع شبكة معقدة من المصالح الدولية والخليجية والإفريقية. السودان وإثيوبيا وتشاد وليبيا ليست ساحات منفصلة تماماً، بل باتت أجزاء من فضاء أمني واحد تتداخل فيه الحدود والسلاح والنفوذ والتحالفات.

 

وفي قلب هذا التشابك تقف مصر أمام معادلة شديدة الحساسية.

 

القاهرة تحتفظ بعلاقة استراتيجية مع السودان، وفي الوقت نفسه تحافظ على شبكة علاقات ومصالح واسعة مع الإمارات ودول الخليج، بينما يبقى ملف إثيوبيا، بما يحمله من أبعاد مرتبطة بالأمن المائي والأمن القومي المصري، أحد أكثر الملفات حساسية.

 

لذلك يبدو «الحذر المصري» مفهوماً من زاوية المصالح المصرية، لكنه قد لا ينسجم بالضرورة مع رغبة واشنطن في رؤية اصطفافات أكثر وضوحاً في منطقة بدأت تحالفاتها القديمة تفقد صلابتها.

 

من هنا يمكن طرح السؤال: هل تحاول الولايات المتحدة إدارة تناقضات حلفائها بحيث يبقى كل طرف محتاجاً إليها؟

 

ليس ضرورياً أن تكون كل أزمة في المنطقة مصنوعة في واشنطن حتى تؤدي هذه الوظيفة. يكفي أحياناً أن يجري استثمار التناقضات القائمة، ومنعها من الوصول إلى تسويات نهائية، لكي يبقى اللاعب الأميركي ممسكاً بموقع الوسيط والضامن وصاحب القدرة على ترجيح الكفة.

 

وهذه القراءة يمكن إسقاطها أيضاً على ليبيا، حيث إن أي صيغة سياسية تكرّس موازين القوى القائمة من دون معالجة جذور الانقسام قد تنتج استقراراً مؤقتاً، لكنها لا تنتج دولة مستقرة بالضرورة.

 

المفارقة أن ترمب الذي قدم نفسه في مراحل مختلفة بوصفه الرجل القادر على إنهاء الحروب، وجد نفسه لاحقاً داخل حروب ومعارك اقتصادية وسياسية وعسكرية أعادت رسم صورته ومشروعه.

 

لقد أحسن ترمب، في مرحلة سابقة، صياغة عدد من السياسات التي اعتقد أنها تخدم المصالح الأميركية، لكن الاندفاع التجاري المفرط، والتوسع في العقوبات، ثم الانخراط في المواجهة مع إيران، نقل المشروع من محاولة فرض الهيمنة بأقل الأثمان إلى اختبار قدرة الولايات المتحدة نفسها على تحمّل أثمان الهيمنة.

 

وقد قلت يوم التفكير في ضرب إيران: «إذا ضرب إيران رح يوقع ويكسر رقبتو».

 

لم يكن المقصود سقوطاً بالمعنى الحرفي، بل الدخول في مأزق سياسي واستراتيجي يصعب الخروج منه بالشروط نفسها التي دخل بها.

 

فالعقوبات لا تعمل إلى ما لا نهاية، والحروب لا تبقى محصورة في جغرافيتها، والضغط على الخصوم يدفعهم، عاجلاً أم آجلاً، إلى البحث عن بدائل. والأخطر أن الضغط المفرط على الحلفاء أنفسهم قد يدفعهم أيضاً إلى التفكير بالبدائل.

 

وهنا تكمن أهمية اتفاق مكة.

 

فالسعودية وتركيا وباكستان لا تعلن عداءً للولايات المتحدة، والاتفاق نفسه قُدّم باعتباره دفاعياً لا يستهدف دولة بعينها. لكن مجرد ظهور بنية دفاعية إقليمية تجمع دولة نووية كبرى مثل باكستان، وقوة عسكرية وصناعية مثل تركيا، وثقلاً اقتصادياً وسياسياً مثل السعودية، يحمل في داخله دلالة لا يمكن تجاهلها: دول المنطقة بدأت تبحث عن ضمانات لا تعتمد على طرف واحد فقط.

 

وهذه هي النقطة التي يمكن أن تدفع واشنطن إلى «التحريك العكسي».

 

أي إعادة تحريك ساحات التناقض، من اليمن إلى إفريقيا، ومن ليبيا إلى ممرات الطاقة، ليس بالضرورة بهدف إشعال حرب شاملة، بل لمنع تشكل كتلة إقليمية قادرة مستقبلاً على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الحاجة الدائمة إلى المظلة الأميركية.

 

حتى العلاقة مع إسرائيل قد لا تبقى خارج هذه التحولات.

 

فإسرائيل ربطت جزءاً كبيراً من خياراتها الإقليمية بالحماية الأميركية، فيما ربط ترمب جزءاً من مشروعه في الشرق الأوسط بالقدرة الإسرائيلية على فرض وقائع عسكرية. لكن عندما يصبح استمرار الحروب عبئاً على الداخل الأميركي نفسه، تبدأ المصالح في الافتراق ولو بقي التحالف قائماً.

 

وهنا قد تكون المشكلة الأكبر بالنسبة إلى إسرائيل: ليس من سيفوز في الانتخابات الأميركية المقبلة، بل إلى أي مدى سيبقى المجتمع الأميركي مستعداً لتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية لحروب لا يرى لها نهاية واضحة.

 

وفي الجهة المقابلة، يبدو أن طهران تقرأ هذه التحولات جيداً.

 

فخطاب السيد علي خامنئي بات يركز بصورة متزايدة على مخاطبة الدول الإسلامية ومدّ اليد إليها، في محاولة واضحة لاستثمار اللحظة الإقليمية وإقناع هذه الدول بأن أمن المنطقة يمكن أن يُبنى من داخلها، لا عبر استدعاء القوى الخارجية إليها.

 

وهكذا يصبح المشهد الإفريقي جزءاً من صورة أكبر بكثير.

 

من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن القرن الإفريقي إلى شمال إفريقيا، تدور معركة لا تقتصر على الأرض والسلاح والممرات البحرية، بل تتعلق بمن سيرسم منظومة الأمن المقبلة.

 

ترمب يحاول إبقاء الخيوط في اليد الأميركية.

 

خصومه يحاولون قطع بعضها.

 

أما حلفاؤه، فقد بدأ بعضهم يسأل للمرة الأولى بجدية:

 

هل يمكن نسج خيوط أخرى؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي