ضربة لارك تهز الأسواق… هرمز ينقل الحرب من الصواريخ إلى جيوب العالم

ضربة لارك تهز الأسواق… هرمز ينقل الحرب من الصواريخ إلى جيوب العالم

رصد ايكون نيوز

لم تحتج الأسواق العالمية إلى انتظار معرفة الحجم النهائي للأضرار التي خلفها التصعيد الأميركي الإيراني الأخير. فمع الساعات الأولى من تداولات الاثنين، ارتفع النفط وتراجعت الأسهم الآسيوية، لتؤكد الأسواق مرة أخرى أن أي شرارة عسكرية قرب مضيق هرمز لا تبقى محصورة في مياه الخليج، بل تنتقل سريعاً إلى أسعار الطاقة والتضخم والفائدة وحسابات الاقتصاد العالمي.

وجاءت الموجة الجديدة بعد استهداف القوات الأميركية، الأحد، منصتين إيرانيتين في جزيرة لارك الواقعة في مضيق هرمز، في أول ضربات أميركية معروفة داخل إيران منذ أواخر تموز. وقال مسؤول أميركي إن قوات الحرس الثوري كانت تستعد لإطلاق صواريخ تحمل ألغاماً بحرية إلى المضيق. وأعلن الحرس الثوري سقوط قتلى وجرحى جراء الهجوم متوعداً بالرد. 

ولم يتأخر الرد الإيراني. فقد أعلن الحرس الثوري فجر الاثنين استهداف قاعدتي الملك حسين والأزرق اللتين تستخدمهما القوات الأميركية في الأردن بصواريخ باليستية رداً على ضربة لارك. وحتى الساعات الأولى، لم تتوافر حصيلة مستقلة نهائية للأضرار، بينما أفاد تقرير نقلاً عن مصدر أميركي بأن معظم المقذوفات الواردة جرى اعتراضها ولم يسجل تأثير كبير في المرحلة الأولى. 

لكن الأسواق لم تنتظر انتهاء التقييم العسكري.

ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت صباح الاثنين بأكثر من دولار، لتصل إلى نحو 89.18 دولاراً للبرميل عند الساعة 00:40 بتوقيت غرينتش، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 84.32 دولاراً. وبعد ذلك سجل برنت نحو 89.38 دولاراً، بارتفاع يقارب 1.4 في المئة. 

والرسالة هنا تتجاوز دولاراً إضافياً في سعر البرميل.

فالتصعيد يأتي بينما لا تزال حركة الملاحة في هرمز بعيدة عن وضعها الطبيعي. وقبل الحرب كان المضيق ممراً لنحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، لكن معظم حركة الشحن تعطلت منذ اندلاع المواجهة في شباط، فيما أظهرت أحدث البيانات المتاحة قبل التصعيد أن عدد سفن السلع المرئية التي عبرت المضيق بلغ عشر سفن في 26 آب، مقابل متوسط متحرك لعشرة أيام بلغ نحو 15 سفينة فقط. 

وهذا ما يجعل جزيرة لارك أكثر من مجرد موقع عسكري.

فالجزيرة تقع في قلب المعركة على هرمز، والمواجهة حولها تطرح السؤال الذي لم تستطع أشهر الحرب الإجابة عنه: من يملك القدرة على تحديد شروط الملاحة في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم؟

إيران وعُمان تجريان منذ أسابيع مفاوضات للتوصل إلى ترتيبات جديدة للمضيق. وفي 26 آب أكد مصدر إيراني كبير لرويترز أن الاتفاق النهائي لم يُنجز بعد، رغم إعلان مسؤول في الحرس الثوري إحراز تفاهمات بشأن تقاسم المياه والعائدات بين البلدين. كما بحثت قطر مع إيران إطاراً مرحلياً يتضمن ممراً ملاحياً إيرانياً عُمانياً مؤقتاً ومشروعاً مشتركاً لإزالة الألغام. 

وقبل ذلك، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أعلن أن طهران ومسقط اقتربتا من اتفاق على مسار ملاحي جديد، لكنه شدد على أن الاتفاق حول المضيق وحده لن يعني العودة التلقائية إلى حركة الملاحة الطبيعية، إذ ربطت إيران ذلك بملفات أوسع تشمل وقف الحرب والعقوبات والحصار المفروض على موانئها، إلى جانب مطالب بالتعويض. 

وهنا تحديداً تظهر قيمة هرمز في الاستراتيجية الإيرانية.

طهران تحاول منع الفصل بين المضيق وبقية ملفات الحرب. بالنسبة إليها، إعادة الملاحة إلى وضعها السابق من دون مقابل سياسي واقتصادي تعني التخلي عن واحدة من أثقل أوراقها التفاوضية. أما واشنطن فتريد منع إيران من تحويل الممر الدولي إلى أداة لفرض شروطها، ولذلك يصبح أي تحرك لإعادة زرع الألغام أو تهديد الملاحة اختباراً مباشراً للإرادة الأميركية.

لكن المشكلة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي أن هذا الصراع لا يحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق حتى تظهر كلفته.

يكفي أن ترتفع مخاطر عبور السفن، وتتزايد كلفة التأمين والنقل، ويضطر المنتجون إلى البحث عن طرق تحميل بديلة، حتى تبدأ الأسعار في استيعاب علاوة جيوسياسية إضافية.

وقد ظهرت بعض هذه التحولات بالفعل. فقطر طرحت خلال الأيام الماضية أول مناقصة لها لنقل الخام عبر عمليات من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز، في مؤشر إلى أن منتجي الخليج أنفسهم يبحثون عن وسائل لتقليص اعتمادهم على الممر المضطرب. 

والمفارقة أن الأسواق العالمية أظهرت حتى الآن قدرة أكبر على تحمل أزمة هرمز مما توقعه كثيرون في بداية الحرب. فرغم أن المضيق كان قبل المواجهة يحمل نحو 20 في المئة من تدفقات الطاقة العالمية، بقي خام برنت في الأيام الأخيرة دون 90 دولاراً، بعيداً عن سيناريوهات الأسعار التي تجاوزت 150 أو 200 دولار والتي طُرحت في بداية الأزمة. إلا أن الضغوط أصبحت أكثر وضوحاً في أسواق المنتجات المكررة والديزل والغاز، حيث بقيت مؤشرات الشح مرتفعة. 

أما صباح اليوم، فقد أضاف التصعيد العسكري طبقة جديدة من القلق.

تراجع مؤشر نيكاي الياباني بنحو 2.1 في المئة، وانخفضت الأسهم الكورية الجنوبية 2.4 في المئة، فيما فقد مؤشر MSCI لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان نحو 0.7 في المئة. كما تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأوروبية والأميركية، بالتزامن مع ارتفاع النفط واستمرار الضغوط على أسواق السندات. 

وهكذا تعود المعادلة إلى نقطة البداية.

الولايات المتحدة تستطيع استهداف منصات إطلاق ومواقع إيرانية، وإيران تستطيع الرد على قواعد تستضيف قوات أميركية، لكن وراء الاشتباك العسكري تجري معركة أكبر بكثير: من يحدد قواعد المرور في هرمز، وبأي شروط، ومن يتحمل الكلفة إذا استمر الصراع؟

فالرهان الإيراني لا يقوم فقط على إغلاق المضيق، بل على جعل العودة إلى الملاحة الطبيعية مرتبطة بتسوية سياسية أوسع. وفي المقابل، تحاول واشنطن إثبات أن حرية الملاحة لا يمكن أن تصبح رهينة لقرار طهران.

وبين الطرفين يقف الاقتصاد العالمي أمام الحقيقة الأصعب:

فتح ممر بحري بالقوة قد يكون ممكناً لفترة، لكن ضمان تدفق آمن ومستقر ومستدام للطاقة عبر مضيق يقع على أبواب إيران مسألة مختلفة تماماً.

ولهذا فإن أهمية ضربة لارك لا تُقاس بعدد المنصات التي دُمرت، ولا الرد الإيراني بعدد الصواريخ التي أُطلقت.

فحين يرتفع النفط في آسيا بعد ضربة على جزيرة صغيرة في الخليج، وتتراجع البورصات على بعد آلاف الكيلومترات، يصبح واضحاً أن هرمز لم يعد مجرد مضيق على الخريطة.

إنه اليوم إحدى أهم أوراق الحرب… والمفتاح الذي تستطيع أي شرارة حوله أن تنقل المواجهة من ميادين الصواريخ إلى جيوب العالم.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي