رصد ايكون نيوز
الرد السريع يعيد هرمز إلى قلب المواجهة… طهران: حقوقنا في المضيق ليست قابلة للانتزاع بالقوة
بعد ستة أشهر من المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، لم يعد ممكناً قياس نتائج الضربات الإيرانية بعدد الصواريخ والمسيّرات التي أُطلقت أو اعتُرضت فقط. فمع تراكم صور الأقمار الصناعية والتحقيقات المستقلة، ظهرت صورة أكثر تعقيداً: الدفاعات الأميركية والإسرائيلية نجحت في اعتراض أعداد كبيرة من المقذوفات، لكنها لم تمنع إيران من إصابة قواعد ومنشآت ومعدات عسكرية في أنحاء المنطقة.
والأهم أن هذا الملف لم يُغلق. ففي 30 آب، نفذت القوات الأميركية أول ضربة معلنة داخل إيران منذ أواخر تموز، مستهدفة منصتين إيرانيتين في جزيرة لارك عند مضيق هرمز. وقالت القيادة المركزية الأميركية إن المنصتين كانتا تستعدان لإطلاق صواريخ تحمل ألغاماً بحرية باتجاه المضيق، فيما أعلن الحرس الثوري وقوع ضحايا وتوعد بالرد.
وبعد ساعات، أعلن الحرس الثوري أنه رد بهجوم صاروخي على قاعدتي الملك حسين والأزرق في الأردن، اللتين تستخدمهما قوات أميركية. وأكدت وكالة أسوشيتد برس حصول الرد الإيراني، مشيرة إلى اعتراض القوات الأردنية عدداً من المقذوفات. وحتى إعداد هذا التقرير، لم تتوافر حصيلة مستقلة نهائية تثبت حجم الأضرار التي أحدثتها الضربات داخل القاعدتين.
هرمز: خط أحمر لا يقبل المساومة
فالرد الإيراني الذي أعقب الضربة الأميركية على منصات قرب مضيق هرمز يعكس إصرار طهران على أن السيطرة على قواعد الملاحة في المضيق أصبحت جزءاً من أمنها القومي وأوراقها التفاوضية، لا ملفاً يمكن حسمه بعملية عسكرية محدودة. وكانت القيادة الإيرانية قد أكدت مراراً أنها "لن تتنازل تحت أي ظرف عن حقوقها في مضيق هرمز"، وأن ترتيبات الملاحة بعد الحرب لن تعود ببساطة إلى ما كانت عليه سابقاً.
والتطور الأخير يعزز هذه المعادلة: القوات الأميركية استهدفت منصات إيرانية قرب المضيق، فردت إيران سريعاً بضربات باتجاه قواعد تستخدمها القوات الأميركية في الأردن، في أول تصعيد عسكري مباشر بهذا المستوى بعد فترة من الهدوء النسبي. وهنا يجب التوقف عند قاعدة أساسية في قراءة هذه الحرب: إعلان استهداف موقع لا يعني بالضرورة إصابته، وإصابة مبنى داخل قاعدة لا تعني إخراج القاعدة بكاملها من الخدمة.
ماذا نعرف بصورة مؤكدة عن الضربات الإيرانية السابقة؟
أحد أكثر التحقيقات تفصيلاً نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في أيار، بعد مراجعة أكثر من مئة صورة أقمار صناعية عالية الدقة ومقارنتها بصور مستقلة من منظومة «كوبرنيكوس» الأوروبية وشركة «بلانيت» الأميركية.
النتيجة كانت لافتة. التحقيق وثق تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 217 مبنى ومنشأة و11 قطعة من المعدات، أي 228 هدفاً مادياً، داخل 15 موقعاً عسكرياً أميركياً في الشرق الأوسط منذ بداية الحرب. وشملت الأضرار حظائر وثكنات ومستودعات وقود وطائرات ومعدات رادار واتصالات ودفاع جوي. كما تحققت الصحيفة من صحة 109 صور أقمار صناعية نشرتها جهات مرتبطة بإيران، وعثرت خلال بحث مستقل على أضرار إضافية لم تكن ضمن المواد الإيرانية المنشورة.
هذه المعطيات مهمة لأنها تنقل جزءاً من النقاش من حرب الروايات إلى الأدلة البصرية. لكن لا تعني أن إيران شلت القوة العسكرية الأميركية في المنطقة. فخبراء عسكريون راجعوا الصور قالوا إن حجم الأضرار أظهر قدرة إيرانية على الوصول إلى أهداف محددة، لكنهم لم يجدوا أن تلك الضربات حدّت بصورة جوهرية من قدرة الولايات المتحدة على مواصلة عملياتها الجوية ضد إيران. كما اعترضت القيادة المركزية الأميركية على توصيف الأضرار بأنها دليل على فشل دفاعي واسع، من دون أن تقدم كشفاً علنياً تفصيلياً مضاداً لكل المواقع التي تناولها التحقيق.
المثير للاهتمام ليس عدد المواقع وحده، بل طبيعة بعضها. فمن بين الأهداف التي أظهرت الصور تضررها معدات مرتبطة بالرادار والاتصالات والدفاع الجوي، إضافة إلى منشآت تخزين ووقود وحظائر. وهذا يشير إلى أن بعض الهجمات الإيرانية لم يكن هدفها إحداث دمار واسع فقط، بل محاولة إصابة أجزاء من البنية التي تمنح القوات الأميركية القدرة على الرصد والإنذار والعمل الجوي.
وفي الكويت تحديداً، وثقت «واشنطن بوست» في وقت مبكر من الحرب إصابة منشأة عمليات في ميناء الشعيبة بهجوم إيراني بطائرة مسيّرة أدى إلى مقتل ستة عسكريين أميركيين، كما خلص تحليلها حينها إلى أن ما لا يقل عن 11 موقعاً عسكرياً أميركياً تعرض لضربات انتقامية إيرانية خلال المرحلة الأولى من الحرب.
ومع اتساع قاعدة الأدلة لاحقاً، أصبحت الصورة أوضح: إيران لم تستطع منع الولايات المتحدة من مواصلة الحرب، لكنها أثبتت أنها قادرة على إيصال النيران إلى شبكة القواعد التي تستند إليها واشنطن في المنطقة.
أما داخل إسرائيل، فالحصول على صورة كاملة أكثر صعوبة بسبب القيود العسكرية المفروضة على نشر مواقع سقوط الصواريخ والتفاصيل المتعلقة بالمنشآت الحساسة. لذلك ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات الإيرانية بشأن إصابة قواعد إسرائيلية ما لم تدعمها صور أقمار صناعية أو إقرارات إسرائيلية أو تحقيقات مستقلة.
المعادلة الحقيقية: الاستنزاف
نجاح منظومات الدفاع الجوي لا يعني وجود مظلة محكمة بنسبة 100%، وفي المقابل فإن وصول صاروخ إلى قاعدة عسكرية لا يعني سقوط منظومة الدفاع بأكملها. المعادلة الحقيقية هي الاستنزاف. إيران تحاول استخدام كثافة الهجمات وتنوعها بين الصواريخ والمسيّرات لإيجاد ثغرات والوصول إلى أهداف مرتفعة القيمة، بينما تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما على طبقات متعددة من الرصد والاعتراض لتقليص عدد المقذوفات التي تصل إلى أهدافها.
والتحقيق الأميركي في صور الأقمار الصناعية أضاف عنصراً مهماً إلى هذه المعادلة. فقد رأى خبراء راجعوا بعض مواقع الإصابة أن نمط الأضرار يشير إلى دقة ملحوظة في عدد من الهجمات الإيرانية، وليس مجرد سقوط عشوائي للمقذوفات في محيط القواعد. لكن هذا التقييم لا يمكن تعميمه على كل الصواريخ التي أطلقتها إيران خلال الحرب.
في المقابل، دفعت إيران ثمناً عسكرياً واقتصادياً وبشرياً باهظاً. تقييم نشرته رويترز مع مرور ستة أشهر على الحرب يشير إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية أضعفت القدرات الإيرانية بصورة كبيرة، لكنها لم تنجح في نزع قدرة طهران على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات أو مهاجمة المصالح الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة. كما بقيت الحرب من دون مخرج سياسي واضح.
الخاتمة: سباق بلا نهاية واضحة
هذا ربما يكون الاستنتاج الأهم. فبعد نصف عام، لا تستطيع طهران القول إنها عطلت الآلة العسكرية الأميركية والإسرائيلية، كما لم يعد ممكناً التعامل مع الصواريخ الإيرانية باعتبارها مجرد استعراض لا يترك أثراً. لقد أثبتت صور الأقمار الصناعية أن بعض الصواريخ والمسيّرات وصل فعلاً، وأن قواعد ومنشآت ومعدات أميركية أصيبت، وأن الدفاعات مهما بلغت قوتها ليست عصية على الاختراق.
وفي الوقت نفسه، أثبتت الحرب أن الوصول إلى الهدف شيء، وتغيير ميزان الحرب شيء آخر. أما التطور الأخير في جزيرة لارك والرد الإيراني على القواعد المستخدمة أميركياً في الأردن، فيعيد الملف إلى الواجهة في توقيت بالغ الحساسية. الضربة الأميركية جاءت بعد أسابيع من تراجع العمليات المباشرة، والرد الإيراني جاء سريعاً، ما يضع الطرفين مجدداً أمام اختبار ضبط التصعيد.
لذلك فإن السؤال الذي يفتح صباح 31 آب ليس كم صاروخاً أطلقت إيران خلال الأشهر الماضية، بل ما إذا كانت جولة لارك والأردن ستبقى تبادلاً محدوداً، أم أنها أعادت تشغيل الحلقة الأخطر في الحرب. فالصور التي ظهرت خلال الأشهر الماضية أثبتت حقيقة واحدة يصعب تجاوزها: في هذه الحرب لا توجد مظلة لا تُخترق، ولا ضربة واحدة تحسم المعركة. وما يجري أصبح سباقاً بين قدرة إيران على إبقاء صواريخها ومسيّراتها قادرة على الوصول، وقدرة خصومها على تدمير هذه الترسانة واعتراضها قبل أن تتحول الإصابات المتفرقة إلى أثر استراتيجي يغيّر ميزان الحرب.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :