حشود إثيوبية على حدود السودان
كشف تقرير جديد لمختبر البحوث الإنسانية التابع لجامعة "ييل" الأميركية، مُدعم بصور الأقمار الاصطناعية، عن حشد كبير للمركبات والمعدات العسكرية في قاعدة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية في منطقة أسوسا بالقرب من الحدود السودانية. وقال التقرير إن ذلك قد يشير إلى استعدادات لعمليات عسكرية واسعة النطاق مرتبطة بالنزاع الدائر في السودان.
وفي تنبيه أمني صدر في 28 أغسطس (آب) الجاري، ذكر مختبر البحوث الإنسانية بجامعة "ييل" أنه رصد نحو 100 مركبة قتالية خفيفة في قاعدة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية بين 23 و28 أغسطس الجاري، أي ما يقارب ستة أضعاف العدد الذي رُصد في 23 أغسطس الجاري. وحذر التقرير من أن هذا ينذر بتطور نوعي في مجريات الحرب الأهلية الدائرة في السودان.
ويشير التقرير إلى أن العامل الخارجي أضحى أكثر وضوحاً الآن في حرب السودان، وبخاصة بعد التراجع الكبير الذي شهدته قوات "الدعم السريع" في مواقعها غرب البلاد وتحقيق الجيش السوداني تقدماً ملحوظاً على المستوى الميداني.
وحذر التقرير من أن الحشود العسكرية داخل الأراضي الإثيوبية بالقرب من حدود السودان، أضحت تتزايد بصورة ملحوظة نسبياً، ما يفيد بأن تلك الحشود تهدف إلى إعادة ضبط موازين القوى من خلال توفير سلاسل الإمداد لقوات "الدعم السريع" عبر الحدود الإثيوبية.
أحداث متزامنة
ويأتي هذا التقرير بعد نحو خمسة أشهر على تقرير لوكالة "رويترز"، مدعم بصور الأقمار الاصطناعية، كشف عن استضافة إثيوبيا معسكراً سرياً لتدريب مقاتلي قوات "الدعم السريع" في إقليم بني شنقول الإثيوبي. وقالت "رويترز" آنذاك، إن تقريرها يعد أول دليل مباشر على انخراط إثيوبيا في الحرب الأهلية السودانية، إذ يوفر المعسكر لقوات "الدعم السريع" إمدادات كبيرة من الجنود الجدد مع تصاعد القتال في السودان.
ويتزامن تقرير الجامعة الأميركية مع زيارة قائد قوات "الدعم" محمد حمدان دقلو (حميدتي) للعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إذ التقى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وتباحث معه حول مجريات الحرب وفرص السلام في السودان، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الإثيوبية، فيما اعتبرت الحكومة السودانية الزيارة استمراراً لسياسات أديس أبابا العدائية تجاه الخرطوم
وكانت العاصمة الإثيوبية استضافت الأسبوع الماضي، اجتماعاً تشاورياً استمر يومي 22 و23 أغسطس للقوى السياسية والمدنية السودانية المناهضة للحرب، والمنضوية تحت إعلان نيروبي، إذ أصدرت تلك القوى بياناً رفضت فيه دعوة رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان للحوار، وأقرت في نهاية اجتماعاتها ما سمته "تصور عملية سلام متكاملة" يشمل ثلاثة محاور: المسار الإنساني، ووقف إطلاق النار، ومسار سياسي.
ويرى مراقبون لشؤون السودان أن ثمة تناقضاً بين مواقف أديس أبابا المعلنة بشأن دعم مسار السلام، والتحركات الميدانية التي تشير إلى تأمين سلاسل الإمداد لقوات "الدعم السريع"، وتشير التقارير الدولية، بما في ذلك إقامة معسكرات للتدريب ومنصات لانطلاق الطائرات المسيرة.
إحداثيات كاشفة
بدوره يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي عبدالرحمن أبو هاشم، أن التقرير الصادر من جامعة ييل الأميركية يستحق الاهتمام لجهة استناده إلى صور حية موثقة عبر الأقمار الاصطناعية، مما يمنح المصدر قدراً كبيراً من المصداقية الفنية لتحليل المؤشرات القائمة ميدانياً على الحدود الإثيوبية- السودانية، على رغم أنه قد لا يكون دليلاً قاطعاً على نية تنفيذ تدخل عسكري وشيك.
وأشار إلى أن تحليل الإحداثيات مهم للغاية لقراءة واستشراف التحركات، لكن في الوقت ذاته، ينبغي التعامل معه بحذر، مع انتظار ما قد تؤكده أو تنفيه التطورات الميدانية أو المواقف الرسمية.
ويضيف "على المستوى السياسي، إن صحت دلالات هذه الحشود، فإنها تعكس أن الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً فحسب، وإنما أصبحت تتأثر بصورة متزايدة بحسابات القوى الإقليمية بما في ذلك الدول المجاورة للسودان، كما أن توقيت هذه التحركات في ظل التغيرات الميدانية الأخيرة وتراجع نفوذ قوات (الدعم السريع) في بعض الجبهات، يثير تساؤلات حول احتمالات إعادة تموضع إقليمي أو الاستعداد للتعامل مع سيناريوهات جديدة على الحدود السودانية الإثيوبية".
ويرى أبو هاشم أن قراءة المشهد تعكس مسارين متوازيين في السياسة الإثيوبية: واحد دبلوماسي يتمثل في استضافة الفاعلين السياسيين السودانيين ومحاولة الاحتفاظ بدور في أي تسوية مستقبلية، وآخر أمني يتمثل في تعزيز الوجود العسكري على الحدود تحسباً لأي تطورات قد تفرضها الحرب داخل السودان.
وأوضح أن ذلك لا يعني بالضرورة وجود تناقض بين الأمرين، فعديد من الدول تدير الأزمات عبر الجمع بين الأدوات السياسية والأمنية في آن واحد. وإذا كانت إثيوبيا تسعى بالفعل إلى لعب دور مؤثر في الملف السوداني، فمن الطبيعي أن تعمل على تأمين حدودها، وفي الوقت ذاته الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف السودانية لضمان حضورها في أي ترتيبات سياسية مقبلة. التسوية السياسية
في سياق آخر، يعتقد المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي، أن استقبال أديس أبابا لقائد قوات "الدعم السريع"، إلى جانب استضافة اجتماعات تشاورية لقوى سياسية سودانية، يشير إلى أن إثيوبيا تحاول الإبقاء على قنوات اتصال مع أطراف متعددة في الأزمة، بما يحفظ لها موقعاً مؤثراً في مستقبل السودان، سواء اتجهت الأزمة نحو تسوية سياسية أو استمرت المواجهات العسكرية.
ويوضح أنه من المرجح أن تسعى إثيوبيا إلى تحقيق أهداف عدة في الوقت ذاته، من بينها حماية أمنها الحدودي، ومنع انتقال تداعيات الحرب إلى أراضيها، وتعزيز مكانتها كفاعل إقليمي في القرن الأفريقي، وعدم ترك الملف السوداني حكراً على مبادرات تقودها دول أو منظمات أخرى. مشدداً على أن استقبال شخصية سياسية أو عسكرية لا يعني بالضرورة تبني مواقفها أو الانحياز إليها بشكل مطلق، فقد يكون جزءاً من سياسة الحفاظ على التواصل مع مختلف الأطراف، وهو ما ستكشفه طبيعة التحركات الإثيوبية خلال الفترة المقبلة.
من جهته، يرى المتخصص في العلاقات الدولية محمد السيد سعيد، أن التقرير الذي قدمه مختبر البحوث الإنسانية التابع لجامعة "ييل" الأميركية، يكشف من جديد تورط أديس أبابا في مجريات الحرب السودانية، وبخاصة أنه تزامن مع استقبال قائد ميليشيات "الدعم السريع". موضحاً أن الكشف الجديد يعد امتداداً لتقارير إخبارية مصورة كانت قد وثقتها وكالة "رويترز" في فبراير (شباط) الماضي، عن وجود معسكرات تدريب وتأهيل لعناصر "الدعم" داخل الأراضي الإثيوبية.
ويرى السيد أن الحشود المتزايدة على الحدود الإثيوبية- السودانية المشتركة تعبر عن "خيبة أمل أديس أبابا من قدرة قوات (الدعم) على حسم الصراع العسكري لصالحها، مما تطلب الدفع بتعزيزات جديدة عبر تحريك آليات عسكرية ومركبات رباعية الدفع استعداداً لأي تطورات محتملة.
ويقرأ السيد استقبال محمد حمدان دقلو (حميدتي) في مطار أديس أبابا من قبل وزير الخارجية الإثيوبي عبر مراسم وتدابير رسمية، على أن الأمر لا يتعلق بالبحث عن تسوية سلمية بقدر ما يشير إلى اعتراف ضمني بدعم إثيوبيا لقواته. مضيفاً أن الاجتماعات الأخيرة التي عقدت في أديس أبابا لعدد من القوى السياسية السودانية، التي اختتمت أعمالها بإصدار بيان يرفض مقترح الحوار السوداني - السوداني الذي أطلقه رئيس مجلس السيادة، يكشف بدوره إلى أي جانب تنحاز أديس أبابا في المعضلة السودانية.
وأكد أن الحشود والتحركات العسكرية في أي دولة لم تعد سراً، فتطور وسائل الكشف التكنولوجي جعل التدخلات خريطة مكشوفة للمتخصصين والباحثين، وبخاصة المختبرات الجامعية في الدول الكبرى، ومن ثم ينبغي قراءة تقرير الجامعة الأميركية من هذا المنطلق.
ويختم السيد أن التقرير وضع بيانات مهمة أمام المجتمع الدولي، وقدم أدلة ملموسة للمزاعم التي ظلت الحكومة السودانية تكررها مراراً في المحافل الدولية، ومن ثم فإن من مسؤولية منظمة الأمم المتحدة، وبخاصة مجلس الأمن الدولي، التعاطي مع الأمر على محمل الجد، لأن هذه التدخلات تسهم بشكل واضح في الإخلال بالأمن والسلم الإقليميين، ومن ثم فهي من صلب اهتمامات ومسؤوليات مجلس الأمن.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي