كندا تقرر خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة وتجابه التصعيد بالتصعيد

كندا تقرر خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة وتجابه التصعيد بالتصعيد

قررت الحكومة الكندية خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية كخيار أفضل من الخضوع لطلباتها الجمركية المتصاعدة «غير العادلة»، وأعلنت أوتاوا تعليق مفاوضاتها مع واشنطن بشأن اتفاق يقنّن التعرفة الجمركية بينهما، بعد وصولها إلى قناعة بأن «عدم إبرام صفقة، خير من صفقة سيئة».

 
وشهدت العلاقة التجارية بين واشنطن وأوتاوا تصعيدا غير مسبوق خلال الأسبوع المنصرم، إثر وصول المفاوضات التجارية بشأن التعرفة الجمركية بين البلدين الجارين إلى طريق مسدود واضطرار كندا إلى اتخاذ قرار بتعليق المفاوضات مع الولايات المتحدة ومجابهة «التصعيد» الأمريكي بـ«التصعيد» الكندي وهو ما اختزلته الحكومة الكندية بقرار «الدولار بالدولار».
وجاء هذا التصعيد الكندي متزامنا مع اتخاذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارا بفرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المئة على صادرات كندية إلى الولايات المتحدة بقيمة 20 مليار دولار أمريكي، دخل حيز التنفيذ في 22 آب/أغسطس الجاري، شملت قطاعات رئيسية، أبرزها الحديد الصلب، والألمنيوم، والأثاث، والملابس، والأجهزة المنزلية.
وجابهت الحكومة الكندية هذا التصعيد الأمريكي بتصعيد مماثل، بفرضها رسوما جمركية مضادة على صادرات أمريكية إلى كندا، تتراوح بين 15 و50 في المئة، تشمل أكثر من 700 سلعة أمريكية بقيمة 20 مليار دولار أمريكي، تدخل حيّز التنفيذ يوم 8 أيلول/سبتمبر المقبل.
وفي ظل هذا التصعيد المتبادل بين البلدين الجارين، هدد رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو الكندية دوغ فورد، بإمكانية «قطع» أو «تقييد» صادرات الكهرباء والطاقة من كندا إلى الولايات المتحدة إذا استمر التصعيد الأمريكي، مؤكدا أن مقاطعة أونتاريو الكندية تزوّد مليون ونصف مليون منزل وشركة أمريكية بالكهرباء، واتهم دوغ فورد الرئيس الأمريكي بإعلان حرب اقتصادية على كندا، مؤكدا أن «الكنديين مستعدون لتحمّل التضحيات وعدم الاستسلام للضغوط الأمريكية». وفي المقابل هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدراسة جادة لتغيير اسم «بحيرة أونتاريو» الكندية الحدودية مع الولايات المتحدة إلى تسمية «بحيرة أمريكا».
وكان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أعلن الأسبوع الماضي قرارا بتعليق المفاوضات الكندية-الأمريكية حول التعرفة الجمركية بين البلدين، بعد أن شهدت المفاوضات الثنائية بينهما أياما عصيبة واستمرار الجانب الأمريكي في تصعيد المطالب ومضاعفة الطلبات، وهو ما اعتبره الجانب الكندي دليلا على عدم جدية واشنطن في التوصل إلى إبرام صفقة تقنّن التعرفة الجمركية بين بلديهما. وقرر كارني رفضه للعروض الأمريكية بهذا الشأن التي وصفها بـ«غير عادلة»، ليعلن إثرها خوض حرب تجارية مفتوحة ضد المنتجات الأمريكية، بفرض «دولار مقابل دولار» تعرفة جمركية، معاملة بالمثل.
وقرر مارك كارني في 22 آب/أغسطس الجاري، تعليق المفاوضات التجارية الكندية مع واشنطن بعد رفض الجانب الكندي عرضا أمريكيا وصفه بـ«غير عادل ومُضرّ بالاقتصاد الكندي». وبعد ساعات فقط من هذا القرار الكندي، مضت الولايات المتحدة قُدماً في فرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المئة على سلع ومنتجات كندية تصل قيمها إلى نحو 20 مليار دولار أمريكي، فيما جابهت كندا ذلك بفرض رسوم جمركية مماثلة، من المقرر دخولها حيز التنفيذ في الثامن من أيلول/سبتمبر المقبل.
وأعلن كارني في بيانه الرسمي أن حكومته قررت تعليق المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة، ووجهت المفاوضين الكنديين بالعودة إلى أوتاوا وقال «لا يمكننا قبول ما عرضوه، ولن نمنحهم ما طلبوه»، في إشارة إلى العرض الأمريكي الذي وصفه بـ«العرض السيئ». موضحا أن المفاوضين الكنديين «بذلوا جهودا مكثّفة بحسن نية، للدفاع عن مصالح ‌الكنديين ⁠طوال هذه المفاوضات حتى اللحظة الأخيرة، إلا أن التغييرات التي أُدخلت في الساعات الأخيرة على الشروط المقترحة من الولايات المتحدة كانت مجحفة وغير اقتصادية، وأثارت الشكوك حول مصداقية أي اتفاق».
وأضاف كارني «لقد سعينا إلى اغتنام كل فرصة للتوصل إلى اتفاق يحمي ويعزز اقتصادنا، ويحترم السيادة الكندية»، ولكننا «أدركنا منذ البداية أن أمريكا قد تغيّرت». موضحا أنه منذ مطلع العام الماضي، تعززت القناعات بأن «عملية التكامل بين الاقتصاديات الأمريكية والكندية، والتي استمرت لعقود، قد انتهت».
وأوضح كارني «لقد فهمت حكومتنا، قبل كثيرين، أن الولايات المتحدة ستُغيّر جميع علاقاتها التجارية، وأنها ستفرض سلسلة من الرسوم الجمركية على أقرب حلفائها، وستستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح».
وقوبل قرار الحكومة الكندية الفيدرالية، التي يقودها الحزب الليبرالي، بموافقة ساحقة من قبل رؤساء الحكومات المحلية في أغلب المقاطعات الكندية، بما فيها التي تسيطر عليها أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها حزب المحافظين، الذي وجه رئيس حكومته في مقاطعة أونتاريو، دوغ فورد، انتقادات حادة للرئيس الأمريكي بقوله «إن ترامب من النوع الذي لا يمكن الوثوق به إطلاقا».
وجاءت مواقف بقية رؤساء المقاطعات الكندية مؤيدة وداعمة لقرار رئيس الحكومة الفيدرالية مارك كارني حيال تعليق المفاوضات التجارية مع واشنطن، ماعدا رئيسة حكومة مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط والمرتبط أغلب اقتصادها بالسوق الأمريكي، دانييل سميث، التي انفردت عن بقية قادة المقاطعات، بموقفها المعارض علنًا لقرار رئيس الوزراء مارك كارني، وأعربت عن «خيبة أمل» عميقة بهذا الصدد، وحثّت الحكومة الفيدرالية الكندية على ضرورة استئناف المفاوضات على الفور مع الولايات المتحدة، وحذرت من الترحيب بـ«التعريفات الانتقامية».
وكان كارني أشار إلى أنه من أبرز المبررات الأمريكية لفرض التعريفات الجمركية المرتفعة ادعاء واشنطن بوجود «عجز تجاري» لدى الولايات المتحدة مع كندا، وبالتالي تحاول «استغلال» ذلك. وقال إن «هذا العجز التجاري الطفيف في السلع الأمريكية لا وجود له إلا لأن الولايات المتحدة تستورد جزءًا كبيرًا من طاقتها من كندا». موضحا أن «كندا تُغذّي النمو الأمريكي، إذ تُزوده بنسبة 99 في المئة من واردات الغاز الطبيعي، و85 في المئة من واردات الكهرباء، و60 في المئة من واردات النفط الخام. لا أعتقد أنهم يريدوننا أن نتوقف عن توريد أي من هذه الطاقة».
ولأكثر من ثلاثة عقود، اعتمدت العلاقات الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة على فرضية تكاد أن تختفي، وهي أن الجوار الجغرافي والبنية التحتية المشتركة والشبكة الكثيفة من قواعد التكامل التجاري ستتغلب على الأزمات السياسية بين البلدين الجارين، غير أن هذا الفرضية تلاشت مع الأزمة الراهنة التي افتعلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأوضح كارني أن أوتاوا تسعى إلى تحقيق خمسة أهداف من أي اتفاق تجاري يبرم مع واشنطن وهي الحفاظ على إمكانية الوصول إلى الأسواق بدون رسوم جمركية لمعظم الشركات الكندية، واستعادة الاستقرار، وخفض الرسوم الأمريكية على الصناعات الاستراتيجية، وحماية الشركات الصغيرة والمتوسطة، والحفاظ على مرونة كندا واستقلالها وسيادتها.
وعلى الرغم من الأزمة الراهنة بين واشنطن وأوتاوا، ولجوء الطرفين إلى فرض إجراءات عقابية، إلا أن حجم التبادل التجاري الكبير يُفسّر أسباب استمرار الحكومتين في الحديث عن الشراكة التجارية بينهما. فحسب مكتب الممثل التجاري الأمريكي، بلغت القيمة الإجمالية لحجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وكندا في السلع والخدمات 872.3 مليار دولار أمريكي في العام 2025. وأوضح أن صادرات السلع الأمريكية إلى كندا بلغت 333.6 مليار دولار أمريكي، بينما بلغت وارداتها من كندا 381.9 مليار دولار أمريكي. مؤكدا أن الولايات المتحدة سجلت عجزًا في السلع قدره 48.3 مليار دولار أمريكي، وفائضًا في الخدمات قدره 27.7 مليار دولار أمريكي.
إلى ذلك ذكرت هيئة الإحصاء الكندية أن صادرات السلع الكندية إلى الولايات المتحدة انخفضت إلى 71.7 في المئة خلال العام 2025 من نحو 75.9 في المئة في العام 2024، في حين بلغت الواردات الكندية من السلع الأمريكية 58.8 في المئة.
ويرجع اقتصاديون كنديون هذا الانخفاض في التبادل التجاري مؤخرا بين كندا والولايات المتحدة إلى «السياسات الاقتصادية المضطربة» التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التعرفة الجمركية، والتي دفعت كندا إلى تنويع مسارات التبادل التجاري، بالتحوّل التدريجي نحو وجهات أخرى في تجارتها الدولية مثل أوروبا وآسيا، والسعي الحثيث نحو التقليل من اعتمادها على السوق الأمريكية.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي