من يخبر اللبنانيين بماذا جلبت جولات التفاوض؟ إسرائيل تقضم الجنوب والشروط تتصاعد

من يخبر اللبنانيين بماذا جلبت جولات التفاوض؟ إسرائيل تقضم الجنوب والشروط تتصاعد

خاص ICONNEWS

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير ايكون نيوز

من يخبر اللبنانيين بماذا جلبت جولات التفاوض؟ إسرائيل تقضم الجنوب والشروط تتصاعد

لم يعد السؤال في جنوب لبنان متعلقا‌ً بعدد الغارات أو حجم التصعيد اليومي، بل بات أبعد من ذلك بكثير: ماذا حقق المسار الذي قُدّم للبنانيين باعتباره الطريق الأقصر إلى وقف الاعتداءات واستعادة الأرض والأسرى؟

فالوقائع الميدانية، لا الخطابات، هي التي تصدر الحكم اليوم. وكلما تقدّم المسار التفاوضي خطوة في القاعات المغلقة، بدا أن إسرائيل تتقدم في المقابل خطوة إضافية في رفع سقف الشروط أو تغيير الوقائع على الأرض.

منذ أن جرى تقديم التفاوض باعتباره الخيار القادر على تجنيب لبنان المزيد من الحرب، انتظر اللبنانيون نتائج ملموسة: وقف الاعتداءات، انسحاب الاحتلال، تثبيت عودة الأهالي، معالجة ملف الأسرى، وفتح الباب أمام إعادة إعمار القرى المدمرة.

لكن ماذا تحقق من ذلك حتى الآن؟

الاعتداءات لم تتوقف، والتهديدات لم تتراجع، والضغط العسكري مستمر. والأخطر أن المطالب السياسية والأمنية التي يحملها الوسطاء لا تبدو أقل من السابق، بل تتوسع لتضع ملف سلاح المقاومة في قلب المعادلة، وتربط عمليا‌ً بين خطوات مطلوبة من لبنان وبين الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات.

وهنا يصبح من المشروع مساءلة الرهان نفسه، لا مبدأ التفاوض في المطلق. فالتفاوض ليس قيمة بحد ذاته، قيمته بما يحققه. وإذا تحولت طاولة التفاوض إلى مكان يقدم فيه لبنان التنازل تلو الآخر، فيما يحتفظ الطرف الآخر بالأرض والنار وحرية الحركة العسكرية، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: أين المصلحة في الاستمرار بالطريقة نفسها؟

المفارقة الكبرى: هرولة سياسية مقابل صمود ميداني

تكمن المفارقة الأعمق في المشهد الحالي في التباين الحاد بين سلوك الجانبين. فمن جهة، هناك "هرولة" سياسية ودبلوماسية نحو طاولة المفاوضات، حيث تٌطرح ملفات حساسة كالسلاح للتداول والتنازل مسبقاً، وكأن الأمر يتعلق بتسوية داخلية يجب إنجازها بأي ثمن.

ومن جهة أخرى، هناك الواقع الميداني الذي صنعه أبطال المقاومة بصمودهم وبالدفاع عن الأرض باللحم الحي. فلولا هذا الصمود، وتحديداً ما حدث في مرتفعات علي الطاهر ومحيطها، لما اضطر الطرفان للعودة إلى مربع الاتصالات أصلاً. لقد أثبتت المقاومة أنها قادرة على إدارة المواجهة وتوجيه ضربات موجعة، مما جعل العدو يدرك أن أي محاولة لتغيير المعادلة بالقوة ستكلفه خسائر باهظة.

والأدهى أن هذه الحقيقة الميدانية هي التي فتحت باب الاتصال. فبعد أسابيع من التصعيد والممانعة الميدانية، بدأت تظهر مؤشرات على اتصالات خفية عبر قنوات غير معلنة بين الجانب الأميركي وحزب الله، مدفوعة بإدراك واشنطن لعجز أدوات الضغط التقليدية عن حسم الوضع لصالح إسرائيل. لكن بدلاً من أن يُترجم هذا الاتصال إلى اعتراف بدور المقاومة أو ضمانات لانسحاب كامل، تحوّل إلى ذريعة جديدة للمطالبة بتسليم السلاح.

جاء تصريح السفير الأميركي ميشال عيسى ليكشف عن هذه الازدواجية؛ إذ طالب بتسليم حزب الله سلاحه كشرط مسبق لوقف الاعتداءات، متسائلاً باستنكار: "لماذا نطلب من إسرائيل فعل كل شيء بينما الحزب لا يفعل شيئاً؟". هذا التصريح يلخص جوهر المشكلة: واشنطن تستخدم قناة الاتصال المفتوحة بفعل صمود المقاومة لفرض شروط استسلامية، بدلاً من استثمارها لإيقاف العدوان. إن تحويل صمود المقاومة من عامل ردع يضمن الأمن، إلى مشكلة يجب حلها بالتسليم، هو انقلاب خطير على منطق العدالة والتوازن. فالمقاومة ليست عبئاً على الدولة، بل هي العمق الذي حمى لبنان من اجتياح شامل، وهي التي فرضت احتراماً للمفاوضات الحالية.

أين حصيلة الذين هللوا؟

منذ البداية، خرج من بشرّ اللبنانيين بأن باب الحل قد فُتح، وأن الدبلوماسية ستفعل ما عجزت عنه الحرب. لقد مرت الجولات، وتحرك الموفدون، وكثرت اللقاءات والتصريحات.

فليخرج هؤلاء اليوم أمام اللبنانيين بكشف حساب واضح:
ماذا أحضرتم من المفاوضات؟
هل عاد الاحتلال متراً واحداً إلى الخلف نتيجة اتفاق؟
هل توقفت الغارات؟
هل حصل لبنان على ضمانة تمنع الاعتداءات؟
هل عاد الأسرى؟
هل عاد أهالي القرى الحدودية إلى حياة طبيعية آمنة؟
هل بدأت إعادة الإعمار بلا تهديد بإعادة تدميرها؟

أم أن الذي عاد من كل جولة كان لائحة جديدة من الشروط؟

هذه ليست أسئلة للمزايدة السياسية، بل الأسئلة الطبيعية التي يجب أن تُطرح عندما تتحول سياسة كاملة إلى رهان وطني.

علي الطاهر تكشف المعضلة

ما يجري حول مرتفعات علي الطاهر يقدم نموذجاً صارخاً للمشكلة. فبدل أن يكون التفاوض قد ثبّت خطوطاً واضحة ومنع محاولة خلق وقائع جديدة، تحولت التلة ومحيطها إلى نقطة ضغط عسكرية وسياسية في آن واحد.

ولا توجد حتى الآن معطيات موثوقة تسمح بالقول إن الاحتلال حسم السيطرة الكاملة على المرتفعات، لكن مجرد تحول الموقع إلى محور للقصف والتهديد يكشف هشاشة المسار القائم: لبنان ينتظر ما ستنتجه الطاولة، بينما إسرائيل تحاول تحسين أوراقها قبل الوصول إليها. وهنا تكمن الخطورة؛ فالمفاوضات التي تجري تحت النار ليست مفاوضات متوازنة عندما يكون طرف قادراً على تعديل الجغرافيا كلما أراد رفع سقف مطالبه.

القضم بدل الاجتياح

ليس ضرورياً أن نشاهد أرتالاً من الدبابات تتجه نحو العمق اللبناني حتى ندرك حجم الخطر. النمط الأكثر خطورة قد يكون أبطأ: قصف هنا، تفجير هناك، تجريف في نقطة، توغل محدود في أخرى، ثم تثبيت أمر واقع يصبح لاحقاً نقطة البداية لأي تفاوض جديد.

إنها سياسة القضم التدريجي. ولا يمكن الجزم بأن كل عملية إسرائيلية جزء من مخطط واحد معلن، لكن تراكم الوقائع يقود إلى نتيجة يصعب تجاهلها: إسرائيل تستطيع استخدام الوقت والميدان لتحسين موقعها، فيما لبنان ينتظر أن تمنحه المفاوضات ما لم تمنحه له حتى الآن.

ومن هنا يصبح السؤال عن صوابية قرار الرهان على هذا المسار مشروعاً وضرورياً. فحين لا ينجح الخيار في وقف النار، ولا يعيد الأرض، ولا يحرر الأسرى، ولا يمنع رفع سقف المطالب، فإن مراجعة القرار ليست خروجاً على الدولة، بل واجب سياسي.

واشنطن والشروط التي لا تنتهي

الموقف الأميركي يزيد الصورة وضوحاً. فالخطاب الأميركي يعيد بصورة متزايدة ربط الاستقرار في الجنوب بملف سلاح المقاومة، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات بلا تنفيذ كامل. وبذلك تنقلب المعادلة؛ فبدل أن تكون الأولوية لتنفيذ وقف الأعمال العدائية وإنهاء الاحتلال، يصبح لبنان مطالبا‌ً بمعالجة أكثر ملفاته الداخلية حساسية تحت ضغط النار.

وهذا ليس تفصيلاً. لأن أي دولة تدخل مفاوضات بينما يُطلب منها أن تتخلى مسبقاً عن أوراق القوة المتاحة لديها، من دون أن تحصل في المقابل على انسحاب وضمانات ملزمة، تكون أمام معادلة تفاوضية مختلة منذ البداية.

والأكثر دلالة هو المفارقة التالية: يُلزم لبنان بالتخلي عن ورقة ردعه، فيما الطرف الذي يضغط عليه يعرف أن وجود هذه الورقة هو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار البحث عن التفاوض أصلاً.

الدولة أمام امتحان النتائج

ليس المطلوب الدعوة إلى الحرب، ولا تحميل اللبنانيين مغامرة جديدة. المطلوب هو رفض الاختيار الزائف الذي يقول للبنانيين: إما أن تقبلوا هذا المسار بشروطه المتصاعدة، وإما أنكم تريدون الحرب.

بين الخيارين مساحة واسعة من السياسة والقوة الدبلوماسية وتوحيد الموقف الداخلي والتمسك الصارم بمبدأ التزامن والتبادلية: خطوة مقابل خطوة، انسحاب مقابل التزام، وقف للاعتداء مقابل إجراءات، وضمانات واضحة قبل التخلي عن أي ورقة استراتيجية.

أما أن يقدم لبنان المطلوب منه ثم ينتظر أن يرى ماذا ستفعل إسرائيل لاحقاً، فذلك ليس تفاوضاً متكافئاً.

والذين صفقوا للمفاوضات مطالبون اليوم، قبل مطالبة الآخرين بالمزيد من التنازلات، بأن يجيبوا عن سؤال بسيط: ماذا أحضرتم معكم؟ ليس ماذا وُعدتم، ولا ماذا قيل لكم خلف الأبواب، ولا ماذا تتوقعون أن يحدث في الجولة المقبلة.

ماذا أحضرتم فعلياً إلى لبنان؟

لأن اللبناني الجنوبي لا يستطيع أن يسكن وعداً، والمزارع لا يزرع تصريحاً دبلوماسياً، وصاحب المنزل المدمر لا يعيد بناءه ببيان تفاؤلي. السياسة تُقاس بالنتائج، وحتى الآن، النتيجة الأكثر وضوحاً أن إسرائيل ما زالت تضرب، والأرض ما زالت تحت الضغط، والشروط تزداد، فيما يُطلب من لبنان أن ينتظر جولة أخرى.

ومن هنا قد يكون السؤال الذي يجب أن يتصدر المرحلة كلها: إذا كانت كل جولة تفاوض تعيدنا بشروط أكثر وأوراق أقل، فمتى نعترف بأن الرهان بصيغته الحالية لم ينجح؟

فالخطر لم يعد فقط أن تفشل المفاوضات، بل أن نستيقظ بعد سلسلة طويلة من الجولات لنكتشف أن المفاوضات بقيت مكانها، بينما تغيّر الجنوب على الأرض.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي