موريتانيا وألمانيا تفتحان فصلاً جديداً في شراكتهما بتمويل ألماني لبرامج حماية التنوع البيولوجي الساحلي والاقتصاد الأزرق
فتحت موريتانيا وألمانيا فصلاً جديداً في شراكتهما الثنائية، مع انتقال التعاون إلى ملفات البيئة والاقتصاد الأزرق وحماية التنوع البيولوجي الساحلي، حيث قدمت ألمانيا لموريتانيا، تمويلا جديدا لبرامج تستهدف دعم النظم البيئية البحرية والساحلية وتعزيز الاستفادة المستمرة من مواردها، في مسار يربط بين حماية البيئة ودعم التنمية الاقتصادية في موريتانيا.
وبين ورش التكوين المهني التي يفترض أن تُخرج شباباً أكثر قدرة على دخول سوق العمل، وشريط ساحلي يمتد على واحدة من أغنى المناطق البحرية بالأسماك في العالم، ترسم ألمانيا ملامح مرحلة جديدة من حضورها التنموي في موريتانيا، وهو حضور لم يعد يقتصر على المساعدات التقليدية، بل يتجه بصورة متزايدة نحو الاستثمار في عناصر تعتبرها برلين حاسمة لاستقرار هذا البلد الواقع عند ملتقى الساحل والمغرب العربي والمحيط الأطلسي مثل برامج الشباب، والوظائف، والموارد الطبيعية، والاقتصاد الأخضر.
وفي أحدث خطوة على هذا المسار، وقعت موريتانيا وألمانيا، الثلاثاء في نواكشوط، اتفاقية تعاون مالي بقيمة 35 مليون يورو، أي نحو 1.61 مليار أوقية جديدة، موزعة بين التكوين الفني والمهني وحماية التنوع البيولوجي الساحلي والاقتصاد الأزرق. ووقع الاتفاق وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية الموريتاني عبد الله سليمان الشيخ سيديا، والسفير الألماني في نواكشوط فلوريان ريندل.
ويذهب الجزء الأكبر من التمويل، أي 20 مليون يورو، إلى التكوين الفني والمهني، موزعاً على تمويلين، فيما تخصص الـ15 مليوناً المتبقية لحماية التنوع البيولوجي في المناطق الساحلية وتطوير الاقتصاد الأزرق.
ولا يبدو اختيار التكوين المهني عابراً في الأولويات الألمانية؛ فالمشكلة التي تحاول هذه التمويلات معالجتها أعمق من مجرد نقص في المدارس المهنية، إذ تتمثل في فجوة مزمنة بين مخرجات منظومة التعليم والتكوين من جهة، والمهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد الموريتاني من جهة أخرى.
وتشير الوكالة الألمانية للتعاون الدولي إلى أن 44 في المئة من المراهقين والشباب البالغين في موريتانيا لا يعملون ولا يتلقون تعليماً أو تكويناً، بينما يعاني نظام التكوين من محدودية المقاعد، ونقص تجهيز مراكز التدريب، وضعف الخبرة العملية لدى عدد من المكونين، إضافة إلى عدم كفاية ارتباط منظومة التكوين بالقطاع الخاص.
وهنا تبرز الدلالة الاقتصادية للتمويل الجديد؛ فالاتفاق لا يقتصر على ضخ الأموال في مؤسسات قائمة، وإنما يشمل بناء وتأهيل وتجهيز مؤسسات التكوين المهني، وتنويع التخصصات، وتأهيل المكونين والأطر، وتعزيز العلاقة مع القطاع الخاص وربط التكوين بصورة مباشرة باحتياجات سوق العمل. وتتقاطع هذه المقاربة مع تحول اقتصادي أوسع تشهده موريتانيا، مع توسع قطاعات التعدين والطاقة والغاز، والطموحات المرتبطة بالهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة والصناعات والخدمات البحرية.
ولا يبدأ التمويل الجديد من الصفر؛ ففي كانون الثاني/يناير الماضي، أطلقت السلطات الموريتانية، بدعم ألماني، مشروع توسعة مدرسة التعليم التقني والتكوين المهني في روصو، يتضمن إنشاء ورش متخصصة على مساحة ثلاثة هكتارات، إضافة إلى حقل تجريبي مساحته 20 هكتاراً وتجهيزات متكاملة، بكلفة تناهز 102.765 مليون أوقية جديدة.
كما تنفذ الوكالة الألمانية للتعاون الدولي برنامجاً أوسع لتعزيز التكوين المهني وتنمية القطاع الخاص في موريتانيا يمتد من يوليو 2023 إلى آذار/مارس 2028، وتبلغ الالتزامات المالية لمرحلة تنفيذه الحالية أكثر من 15.2 مليون يورو، بينها مساهمة مشتركة للاتحاد الأوروبي بقيمة 8.15 مليون يورو.
ويستهدف البرنامج تحديث المناهج، وتحسين طرق التدريس، وإدخال تكوينات قصيرة مرتبطة مباشرة باحتياجات سوق العمل، وتقوية الاتصال بين مؤسسات التدريب والشركات. وتظهر هنا إحدى السمات الرئيسية للمقاربة الألمانية: الانتقال من تكوين يمنح شهادة إلى تكوين يقود إلى وظيفة.
ويمتد هذا التوجه إلى إطار أوروبي أوسع عبر برنامج «لننجح معا»، الذي تشارك فيه ألمانيا إلى جانب الاتحاد الأوروبي وفرنسا والمنظمة الدولية للهجرة.
وتبلغ الكلفة الإجمالية للبرنامج 35 مليون يورو، بينها 20 مليوناً من آلية الاتحاد الأوروبي المرنة، و8.85 ملايين من الوكالة الفرنسية للتنمية، و7 ملايين يورو من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية لبرنامج تنفذه الوكالة الألمانية للتعاون الدولي لدعم التشغيل وتنمية القطاع الخاص.
ويؤكد هذا التوجه أن التكوين والتشغيل أصبحا نقطة التقاء بين ثلاث قضايا مترابطة هي التنمية والهجرة والاستقرار.
ومع ذلك فإيجاد فرص اقتصادية للشباب لا يُنظر إليه أوروبياً باعتباره سياسة اجتماعية فقط، بل أيضاً لكونه أيضا، وسيلة لتقليص دوافع الهجرة، وتعزيز التماسك الاجتماعي والحد من عوامل الهشاشة في منطقة الساحل.
أما الشق الثاني من الاتفاق الجديد، وقيمته 15 مليون يورو، فينقل التعاون إلى الواجهة الأطلسية لموريتانيا.
فالتمويل مخصص لحماية التنوع البيولوجي، وصون النظم البيئية الساحلية، وتعزيز البحث العلمي البحري، وتحسين الإدارة المستدامة للموارد، ومواجهة النفايات البحرية والصيد المفرط والتغير المناخي والتآكل الساحلي.
وتكمن أهمية هذا المحور في أن البحر بالنسبة إلى موريتانيا ليس مجرد قضية بيئية، بل مورد اقتصادي وغذائي واستراتيجي.
وتصف وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية المياه الموريتانية بأنها من أكثر مناطق الصيد إنتاجية في العالم، وتضع حماية الموارد الطبيعية والصيد المستدام ضمن المحاور المركزية لتعاون برلين مع نواكشوط.
وحسب تقديرات الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، فإن نحو 300 ألف شخص يعملون في قطاع الصيد، في حين تمثل المنطقة الساحلية موئلاً بالغ الأهمية للأنواع البحرية وتضم منطقتين وطنيتين محميتين، مع استمرار الضغوط على مناطق تكاثر بعض المخزونات السمكية التي تعاني الاستغلال المفرط.
ولهذا أطلقت ألمانيا بالفعل برنامجاً لتعزيز الاستمرارية البيئية للصيد في موريتانيا للفترة من كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2027، بالتزام مالي يبلغ 4 ملايين يورو، ويركز على حماية مناطق تكاثر الأسماك وتحسين البيانات العلمية والرقابة والنظافة وتوفير منتجات سمكية بصورة أكثر استدامة للسوق المحلية.
وبذلك تأتي الـ15 مليون يورو الجديدة لتوسع مساراً ألمانياً قائماً، وليس لتفتتح قطاع تدخل جديداً.
تعود العلاقات الموريتانية الألمانية إلى يوم استقلال موريتانيا في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1960، فيما بدأ التعاون الإنمائي بين البلدين منذ ستينيات القرن الماضي.
وخلال العقود الأخيرة، تجاوزت الشراكة إطار التعاون التنموي التقليدي لتشمل السلام والتماسك الاجتماعي، وحماية الموارد الطبيعية، والتنمية الاقتصادية المستدامة والتكوين والتشغيل، مع تعهدات ألمانية بلغت 54 مليون يورو خلال المفاوضات الحكومية لعام 2025.
وتكتسب موريتانيا أهمية متزايدة بالنسبة إلى برلين باعتبارها دولة مستقرة وشريكاً مهماً في منطقة الساحل، في ظل الاضطرابات الأمنية وضغوط المناخ والموارد التي تشهدها المنطقة.
ويتقاطع ذلك مع توجه موريتاني لتعزيز الاستثمار والتكنولوجيا والتكوين وفرص العمل، فيما تراهن ألمانيا أيضاً على إمكانات البلاد في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تنفذ الوكالة الألمانية للتعاون الدولي مشروعاً بقيمة خمسة ملايين يورو لدعم الإطار القانوني والمؤسسي والفني لهذا القطاع.
وفي هذا السياق، يأتي الاتفاق المالي الجديد بقيمة 35 مليون يورو، موزعاً بين 20 مليوناً للتكوين الفني والمهني و15 مليوناً لحماية التنوع البيولوجي الساحلي وتطوير الاقتصاد الأزرق. ويمتد الشق البيئي إلى حماية النظم الساحلية والموارد البحرية ومواجهة الصيد المفرط والتغير المناخي والتآكل الساحلي، ليواصل مساراً ألمانياً قائماً في دعم الإدارة المستدامة للموارد البحرية والساحلية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي