واشنطن تطرق الأبواب الخلفية... صمود المقاومة يفرض لغته على طاولة السياسة

واشنطن تطرق الأبواب الخلفية... صمود المقاومة يفرض لغته على طاولة السياسة

 

 

 

 

خاص "𝐢𝐜𝐨𝐧𝐧𝐞𝐰𝐬"

لم يكن الكلام عن احتمال وجود قنوات خلفية بين حزب الله وواشنطن وليد مصادفة إعلامية، ولا مجرد تسريب عابر في توقيت سياسي حساس. فحين يعلن القيادي في حزب الله محمود قماطي أن باب التواصل مع الأميركيين ليس مغلقاً بصورة نهائية، وحين يقرّ المبعوث الأميركي توم برّاك بأن أي معالجة جدية للملف اللبناني لا تستطيع تجاهل حزب الله وإيران، فهذا يعني أن الوقائع فرضت نفسها على لغة الدبلوماسية، حتى لو سارعت واشنطن لاحقاً إلى تغليف موقفها بالعبارات التقليدية.

المعلومة المتداولة عن حصول تواصل مباشر لا تزال غير مثبتة رسمياً. لكن تقريراً لصحيفة الشرق الأوسط تحدث عن تبادل رسائل بين قيادة الحزب وواشنطن عبر وسطاء محليين، إلى جانب تركيا وقطر. وإذا كانت هذه الرواية تستند إلى مصادر غير مسماة، فإنها تنسجم مع طبيعة القنوات التي تُفتح عادة في الأزمات الكبرى، حيث تُنقل الرسائل أولاً عبر الوسطاء قبل الانتقال، إذا نضجت الظروف، إلى مستوى أكثر وضوحاً.

واشنطن، من جهتها، نفت وجود مفاوضات مباشرة. وقال برّاك إن الولايات المتحدة تتعامل مع الحكومة اللبنانية بوصفها السلطة الشرعية، وإنها لا تتفاوض مع حزب الله. لكنه اضطر في الوقت نفسه إلى توضيح أن الحزب وإيران عنصران لا يمكن تجاهلهما عند البحث في ملف السلاح والتسوية اللبنانية. وهذا التناقض الظاهري بين نفي التفاوض والإقرار باستحالة الحل من دون أخذ المقاومة في الاعتبار يكشف حقيقة أساسية: قد تنفي الدول القنوات، لكنها لا تستطيع إلغاء القوى التي فرضت حضورها على الأرض.

المقاومة لم تصل إلى هذه اللحظة عبر المجاملات السياسية، بل عبر صمودها في الميدان ورفضها تحويل الاعتداءات الإسرائيلية إلى أمر واقع. فالعدو، رغم تفوقه الجوي والتقني والدعم الأميركي المفتوح، لم يتمكن من انتزاع استسلام سياسي أو فرض تسوية مكتوبة بشروطه وحده. وبقيت المقاومة حاضرة في معادلة الجنوب، محتفظة بقدرتها على منع الاحتلال من تحويل توغلاته واعتداءاته إلى سيطرة مستقرة ونهائية.

من هنا، لا يمكن فصل الحركة السياسية المستجدة عن الميدان. عندما تعجز القوة العسكرية عن شطب الخصم، تبدأ قنوات السياسة بالبحث عن باب إليه. وعندما يفشل الضغط والتهديد والعقوبات في إنتاج التنازل المطلوب، تصبح الرسائل غير المباشرة أداة لاختبار المواقف واستكشاف إمكان التسوية.

هذا لا يعني أن واشنطن غيّرت هويتها أو تخلّت عن انحيازها إلى العدو الإسرائيلي. فالولايات المتحدة ما زالت تفرض العقوبات على حزب الله، وتتبنى خطاب حصرية السلاح وفق رؤيتها، وتتعامل مع أمن إسرائيل بوصفه أولوية. لكن الاعتراف بضرورة أخذ الحزب في الحسبان يكشف أن محاولات عزله لم تنجح في إخراجه من المعادلة.

كما أن انفتاح المقاومة على مسار سياسي محتمل لا يمثل تراجعاً عن ثوابتها. فالتفاوض، حين يأتي من موقع الصمود، ليس استسلاماً، بل انتقال من تثبيت الحق في الميدان إلى انتزاعه في السياسة. والجهة التي صمدت ومنعت الاحتلال من تحقيق أهدافه تملك حق استخدام جميع الأدوات التي تحمي لبنان وتؤدي إلى وقف العدوان وانسحاب الاحتلال واستعادة الأرض والأسرى.

أما الحديث عن فتح قناة خلفية، فلا ينبغي التعامل معه بوصفه حقيقة نهائية قبل صدور تأكيد رسمي أو ظهور أدلة مستقلة. لكن الأهم من اسم الوسيط وشكل الاتصال هو أن واشنطن باتت تدرك أن أي اتفاق يُصاغ في غياب المقاومة سيبقى حبراً على ورق، وأن الضغط على لبنان لا يمكن أن يكون بديلاً عن الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها والانسحاب من الأراضي المحتلة.

المفارقة أن بعض القوى اللبنانية التي طالما راهنت على عزل المقاومة وجدت نفسها أمام مبعوث أميركي يعترف، ولو قبل تراجعه اللفظي، بأن الحل لا يستقيم من دون حضور الحزب وإيران في حساباته. إنها لحظة تسقط فيها أوهام الذين تصوروا أن العقوبات والغارات والتهديدات كافية لمحو قوة متجذرة في أرضها وبيئتها وقضيتها.

سواء ثبت وجود قناة مباشرة أم بقي التواصل في حدود الرسائل المنقولة عبر الوسطاء، فإن النتيجة السياسية واحدة: المقاومة لم تُشطب من المعادلة، والميدان الذي صمد هو الذي أجبر خصومها على البحث عن لغة أخرى غير لغة النار. وعندما تبدأ واشنطن بالسؤال عن الطريق إلى المقاومة، ولو من خلف الستار، فهذا يعني أن صمود الجنوب سبق الدبلوماسية إلى رسم حدود التفاوض.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي