Icon News
لم تكن ليلة عادية في المسرح الأثري بقرطاج، ولم يكن ظهور ماجدة الرومي مجرد حفل آخر يضاف إلى أرشيف المهرجانات العربية. كانت أمسية استعادت فيها الأغنية هيبتها، ووقف فيها التاريخ أمام صوت لبناني حمل الحب والسلام والوطن إلى واحد من أعرق مسارح العالم.
بعد غياب استمر ثماني سنوات، عادت ماجدة الرومي إلى قرطاج لتسدل بصوتها الستار على الدورة الستين من المهرجان، في ختام بدا أقرب إلى تتويج لمسيرة فنية ممتدة من لقاء أول جمعها بالجمهور التونسي عام 1980، إلى ليلة أعادت تأكيد مكانتها واحدة من أبرز القامات الغنائية العربية.
منذ اللحظات الأولى، أوضحت الرومي أن ما يجري ليس حفلاً بالمعنى التقليدي، بل «عرس» للحياة والحب والسلام. ولم تكن كلماتها مقدمة عابرة، بل تحولت إلى هوية كاملة للأمسية التي امتدت قرابة ساعتين، بمشاركة أوركسترا ضخمة ضمت 55 عازفاً من جنسيات مختلفة.
تنقلت ماجدة بين أعمال صنعت وجدان أجيال عربية، فقدمت «كلمات»، و«كن صديقي»، و«عيناك ليالٍ صيفية»، و«طوق الياسمين»، و«عم يسألوني»، و«لا تسأل»، و«اعتزلت الغرام»، و«مطرحك بقلبي»، وسط جمهور امتلأت به مدرجات قرطاج وشاركها الغناء في مشهد بدا كأنه حوار طويل بين الصوت والذاكرة.
ولأن تونس لم تكن بالنسبة إليها مجرد محطة فنية، خصّت الرومي جمهورها بمجموعة من الأغنيات التونسية الراسخة في الوجدان الشعبي، بينها «لاموني اللي غاروا مني»، و«يا مي العوينة»، و«خالي بدلني»، و«آه يا خليلة». كما قبّلت العلم التونسي على المسرح، في لحظة استقبلها الجمهور بتصفيق حار.
أما المفاجأة الأبرز، فكانت تقديمها ثلاث أغنيات جديدة للمرة الأولى، في إشارة إلى مرحلة فنية مقبلة تؤكد أن صاحبة «كلمات» لا تعيش على مجد أرشيفها، بل لا تزال تبحث عن الجديد وتحافظ في الوقت نفسه على المستوى الذي صنع هويتها ومكانتها.
لكن اللحظة الأكثر تأثيراً بقيت عندما حضر لبنان في قلب قرطاج. غنّت ماجدة «عم بحلمك يا حلم يا لبنان»، فاختصرت بصوتها صورة وطن يتعب ولا يستسلم، ينزف لكنه يتمسك بالحلم، ويحمل فنه معه إلى العالم مهما اشتدت أزماته.
لم تغنِّ ماجدة الرومي للبنان بوصفه مكاناً فقط، بل بوصفه فكرة ورسالة وهوية ثقافية. وفي زمن تحاصر فيه الحروب والانقسامات صورة الوطن، أعادت تقديم لبنان الذي يعرفه العرب: لبنان القصيدة والموسيقى والصوت الذي يرتفع فوق الضجيج.
حملت الأمسية أيضاً دلالة أبعد من نجاح حفل أو امتلاء مدرجات. ففي زمن الأغنيات السريعة والترندات القصيرة، أثبتت ماجدة الرومي أن الفن الكبير لا يحتاج إلى افتعال الضجيج كي يحضر، وأن الجمهور لا يزال قادراً على الإصغاء إلى الكلمة واللحن والأوركسترا والصوت الحقيقي.
اختتمت ماجدة الرومي اليوبيل الماسي لمهرجان قرطاج، لكنها فتحت في المقابل فصلاً جديداً من علاقتها بالجمهور العربي. ليلة عاد فيها المسرح إلى زمنه الجميل، واستعاد الفن وقاره، وكان لبنان حاضراً بصوت امرأة لم تغنِّ على خشبة التاريخ فحسب... بل جعلت التاريخ يصمت ليستمع.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :