ايكون نيوز
لم يكن الأمير شكيب أرسلان مجرد أديب لبناني بارع، بل كان صوتاً عربياً عابراً للحدود، حمل قضايا المشرق والمغرب إلى المحافل الدولية، وجعل من الكلمة سلاحاً في مواجهة الاستعمار ومشاريع تفتيت المنطقة.
وُلد أرسلان عام 1869 في مدينة الشويفات قرب بيروت، ونشأ في بيئة جمعت بين السياسة والأدب. أتقن العربية والتركية والفرنسية والألمانية، واتصل بكبار مفكري عصره، وتأثر بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، قبل أن يصنع لنفسه مساراً فكرياً وسياسياً مستقلاً.
آمن أرسلان بأن قوة العرب لا تُبنى بالشعارات، بل بالعلم والعمل والوحدة والقدرة على حماية القرار السياسي. ورأى باكراً أن الاستعمار لا يحتل الأرض بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يستفيد من الانقسام والجهل وضعف المؤسسات لتثبيت نفوذه ونهب مقدرات الشعوب.
وبعد فرض الانتداب الفرنسي، عاش سنوات طويلة في جنيف، لكنه حوّل منفاه إلى مركز للدفاع عن القضايا العربية، فكان صوتاً غير رسمي لسوريا وفلسطين في أروقة عصبة الأمم. كما أصدر مع إحسان الجابري مجلة «الأمة العربية» باللغة الفرنسية، مخاطباً الرأي العام الأوروبي بلغته، وكاشفاً ممارسات الاستعمار ومخاطر المشروع الصهيوني في فلسطين.
ترك أرسلان عشرات المؤلفات والدراسات، وكان أشهرها كتابه «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»، الذي لم يتعامل فيه مع التخلف باعتباره قدراً محتوماً، بل نتيجة للاستبداد والجهل والانقسام والتخلي عن قيم العلم والإنتاج والمسؤولية.
ولم تكن مسيرته خالية من الجدل، ولا سيما دفاعه عن بقاء الدولة العثمانية، إذ كان يرى فيها سداً أخيراً أمام تقسيم العالم العربي وسقوطه الكامل في قبضة القوى الاستعمارية. وقد أثبتت اتفاقيات التقسيم اللاحقة أن مخاوفه لم تكن بعيدة عن الواقع.
عاد «أمير البيان» إلى لبنان في أواخر حياته، وتوفي في بيروت عام 1946، تاركاً إرثاً فكرياً وسياسياً لا يزال حاضراً. وبعد عقود على رحيله، يبدو السؤال الذي طرحه أكثر إلحاحاً: كيف تتقدم أمة تمتلك التاريخ والثروات والعقول، لكنها تسمح للانقسام والاستبداد والتبعية بأن تلتهم مستقبلها؟
شكيب أرسلان لم يكن شاهداً على عصره فحسب، بل كان مفكراً حذّر من عصرنا قبل أن يأتي.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :